الأحد، 5 فبراير 2017

ترامب.. السير نحو الهاوية بالسرعة القصوى








قاسم شعيب


عندما قال نعوم تشومسكي أن ترامب حصيلة مجتمع ماض بقوة نحو الانهيار، لم يكن مخطئا. فنحن اليوم أمام رئيس أمريكي غير مسبوق في غوغائيته وتهوره وردود فعله الانفعالية. ولعل آخر قراراته حول منع مواطني سبع دول مسلمة من دخول الولايات المتحدة ثم قرار محكمة سياتل بولاية واشنطن، الجمعة، إيقاف العمل المؤقت بقراره التنفيذي، الذي وصفه ترامب بالسخيف، يلخص ماذا يمكن أن يفعله في الأيام والشهور القادمة.
لم يأت ترامب من الفراغ بل إنه رجل المؤسسة المفضل. وتلك المؤسسة أصبح الجميع يعرفون لمن تخضع. بل إننا عندما ننظر في محيط الرئيس الامريكي الجديد نجده محاصرا باليهود في كل المواقع. يكاد الرجل يكون يهوديا من كثرة اليهود من حوله؛ داخل بيته، وفي شركاته، وفي البيت الأبيض، وفي دوائر صنع القرار.
في العائلة، ابنته إفانكا يهودية بالاعتناق، وزوجها جيريد كوشنر يهودي مناصر لإسرائيل، وابنه دونالد الابن متزوج من يهودية تدعى فلنسيا هيدن، وابنه بيتر متزوج من يهودية تدعى لارا ياناسكا، وابنته تيفاني ترامب تعاشر صديقاً يهودياً يدعى روس ميكانك..
وفي العمل، كلّ رؤساء شركاته ونوّابهم وكل المسؤولين من اليهود.. أما على مستوى الإدارة السياسية، فيشكل اليهود نسبة كبيرة بين مساعديه السياسيين في البيت الأبيض وفي الإدارة الأمريكية.. وحتى الأصدقاء فأغلبهم من اليهود أيضا.
لا يمكن أن لا يكون لهؤلاء تأثير عليه. تبدو المسألة كما لو كانت مبرمجة منذ سنوات. اختيار رجل مناسب للقيام بالمهمة وإحاطته باليهود من كل جانب ثم إيصاله إلى البيت الأبيض ليؤدي ما عليه بشكل تلقائي ودون الحاجة إلى استعمال جهاز تحكم عن بعد.
يعتبر القرآن اليهود "أشد الناس عداوة للذين آمنوا". هو يجعلهم في الموقع الأكثر عداء قبل "الذين أشركوا". والشرك عنوان واسع يشمل فئات متعددة. إن الذين يحاولون تبرئة اليهود من كل ما يحدث للعالم اليوم لا يعرفون كيف يفكر هؤلاء الناس. كل الناس بالنسبة إلى اليهود غوييم وأميون مستباحون بالكامل لأنهم مجرد حيوانات خلقها الله لخدمتهم كما في التلمود..
هؤلاء هم من يحيط بالرئيس الأمريكي. ولعل دونالد ترامب الذي أصبح منهم بحكم المعاشرة، من هذا الصنف من الأعداء. لقد جاء إلى الإدارة الأمريكية بفريق من اليمين المتشدد، وبطاقم صهيوني حاقد، يظهر انحيازه الكامل للكيان الغاصب، ولا يخفي حبه وولاءه له، بل إن بعض عناصر ذلك الفريق خدم في جيش العدو، وقاتل في حروبه، وبعضهم الآخر أعضاء فاعلون في المنظمات الاستيطانية المتطرفة؛ يؤمنون بأفكارهم ويدعون إليها، ويجمعون التبرعات لها، ويدافعون عن سياستها. وبعضهم يملك منازل في تلك المستوطنات ويتحدثون العبرية بطلاقة. وآخرون تلقوا تعليمهم الديني والعام في المعاهد والجامعات الإسرائيلية. وحتى سفيرهم الجديد يملك منزلا في مدينة القدس، يفترض أن يعود إليه ويسكن فيه، ليكون مقره الرسمي، بعد نقل السفارة الأمريكية إليها.
جاء دونالد ترامب ليكون انعكاسا للوجوه المتطرفة والعقول اليابسة والقلوب الحاقدة داخل المؤسسة الحاكمة في أمريكا. وهي وجوه يجمعها الانتماء إلى الحزب الجمهوري الذي عرف بحروبه المدمرة في مواقع كثيرة من العالم.
لا تتغير الاستراتيجيات الأمريكية، فهي مرسومة بدقة. وقد أوكلت لكل من الحزبين الحاكمين مهمة معينة وطريقة مختلفة في إدارة الأمور بالتداول. فالاختلاف هو في الأسلوب أما السياسات والاستراتيجيات والأهداف فهي ذاتها. يخطئ من يعلق آمالا من العرب على هذا الرئيس أو ذاك أو هذا الحزب أو ذاك.
ينجح الديقمراطيون عادة في خداع العرب. فهم من جرّهم إلى كامب ديفيد في عهد الرئيس كارتر، وإلى أوسلو في عهد الرئيس كلينتون.. وعندما يريدون إشعال الحرب فإنهم يفعلون ذلك بطريقة غير مباشرة. هذا ما فعله أوباما حين صنعت مخابراته داعش وحين جعل الأطراف المختلفة تتقاتل في سوريا لتدميرها دون أن يفكر في التدخل المباشر مكتفيا بدعم المنظمات الإرهابية التي صنعها عسكريا ولوجستيا وماليا وجعل الخليجيين يدفعون الفاتورة.
يُغرق الديقراطيون العربَ في تفاصيل كثيرة لإلهائهم عن مطالبهم الأساسية، ويكثرون من الوعود حول تسوية القضية الفلسطينية، ويوزعون الكثير من الابتسامات الساخرة، ثم يغادرون الحكم دون أن ينفذوا وعدا واحدا.
لكن الجمهوريين يختارون عادة العنف الأهوج والقوة المفرطة لتحقيق الأهداف ذاتها. حدث ذلك مع ريغن الذي هاجم ليبيا ومع بوش الأب الذي هاجم العراق ومع بوش الابن الذي كرر ذلك بشكل أكثر فظاعة.. كان الحزب الجمهوري، دائما، مجرد منظمة إرهابية مفضوحة.
والمفارقة أن كثيرا من العرب صفقوا بحرارة لوصول ترامب. هؤلاء لازالوا مرابطين في أوهاهم القديمة ولا يعرفون أن الرئيس مجرد دمية تتلاعب به المؤسسة التي يديرها رأس المال. غير أن استعجال الرجل جعلهم يتراجعون في زمن قياسي بعد أن تتالت تهديداته لإيران والعراق وبعد أن بدأ يتحدث عن مناطق آمنة في سوريا وبعد أن رفض استقبال رئيس وزراء العراق بينما استقبل ملك الأردن الذي عاد ليباشر قصف مواقع جنوب سورية بدعوى أنها مواقع لداعش..
وصول ترامب الحكم فرصة للعرب الذين لازالوا يحملون أوهاما حول ديمقراطية أمريكا واحترامها لحقوق الناس، من أجل اكتشاف وجهها الحقيقي بلا اقتعة..





الثلاثاء، 17 يناير 2017

ترامب الهائج في مواجهة المؤسسة الحاكمة.. هل يخضع للأمر الواقع أم يتعرض للاغتيال؟







لم يكن مجيء دونالد ترامب إلى البيت الأبيض صدفة. ولا كان الرجل المفضل لدى الناخب الأمريكي. لقد اختاره المجمع الانتخابي المرتبط بالقوى المهيمنة، رغم فارق الـ3 ملايين صوت لصالح هيلاري كلينتون. تعرف المؤسسة الحاكمة في أمريكا كل شيء عن ترامب. تعرف مزاجه المتقلب وغوغائيته المفرطة وفضائحة الجنسية وتهربه الضريبي واضطهاده لموظفيه وعماله. وتعرف أيضا عواطفه تجاه الرئيس الروسي بوتين بسبب مزاعم عن تسريب مخابراته كي جي بي رسائل الكترونية خاصة من الحاسوب الشخصي لهيلاري كلينتون ا الحق أضرارا بها. بل تعرف حتى ما هو أكثر من ذلك.
لن تكون فترة الرئاسة الأولى لترامب، إذا حدثت، هادئة وخالية من العواصف والأعاصير. فالتوتر ظهر منذ اللحظة الأولى مع جهات متعددة حتى داخل الحزب الجمهوري فضلا عن أنصار منافسته كلينتون وحزبها المدعوم بقوة من الملياردير اليهودي جورج سوروس. بل إن ترامب ذهب إلى أبعد من ذلك وتحدى المؤسسة الأمنية واحتقر الاعلام والصحافة التي يعرف الجهات التي توجهها واستعدى القسم الاكبر من أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب الديقراطيين والجمهوريين.
كان ذلك ردة فعل غير ناضجة ولا منضبطة من ترامب. وقع في الفخ الذي نصبه له المتحكمون في أوراق اللعبة من وراء حُجُب، فالهدف لم يكن مجرد إيصاله وينتهي الأمر بل إن المخطط يفترض افتعال صراع بينه وبين مؤسسات الدولة المخترقة طولا وعرضا من القوى الخفية. ورغم ولاء ترامب لها إلا أن القصة أبعد من مسألة الولاء، لأن الهدف كبير. هم يريدون السير بخطى أسرع نحو تنفيذ مشروع "النظام العالمي الجديد" واستحقاقاته في تعميم الفوضى داخل الولايات المتحدة نفسها وإشعال نيران الحرب مع الخصم الروسي وحلفاءه.
وفي محاولة لإخضاع ترامب ودفعه إلى إطلاق ردة فعل عكسية ضد موسكو، نشرت الأربعاء 9/1/17 صحيفتنا "الغارديان" البريطانية و"وول ستريت جورنال" الأمريكية، أن عميلا سابقا للمخابرات البريطانية يدعى كريستوفر ستيل، عمل في موسكو لعدة سنوات، هو الذي يقف وراء تسريب تقرير من 35 صفحة يتضمن شريط فيديو، صورته أجهزة المخابرات الروسية عن تورط الرئيس ترامب، في أعمال جنسية فاضحة أثناء إقامته في أحد أجنحة فنادق موسكو، احتوى عروضا شاذة لبنات ليل جرى استئجارهم لهذا الغرض. وقيل أن كريستوفر ودّع قطّته واختفى عن الأنظار خوفا على حياته من الاغتيال، فالمخابرات الروسية لا ترحم، وتملك إرثا عميقا في الاغتيالات.
نفى ترامب في مؤتمره الصحفي الذي عقده فجر يوم الخميس التالي، هذه المزاعم، وقال إنها معلومات كاذبة وملفقة. قال إنه كان يعلم جيدا بأن الفنادق في معظم أنحاء العالم تتضمن كاميرات تجسس، واتخذ لأجل  ذلك كل الاحتياطات اللازمة. لكن هذا بحد ذاته اعتراف ضمني بصحة تلك الأعمال الجنسية الشاذة المنسوبة إليه. فهو رجل مهووس بالجنس ومولع بالتحرش بالنساء الجميلات وتاريخه مليء بالفضائح مثل أي رجل أعمال آخر لم تكن لديه طموحات سياسية واضحة. ومع ذلك اتهم أجهزة الاستخبارات الأمريكية، التي لا تكن له أي ود، بالوقوف خلف هذه التسريبات لتشويه صورته التي ربما يظن أنها ليست مشوهة بما يكفي.
لا تستهوينا التحاليل السطحية التي لا تأخذ في اعتبارها سوى الظاهر من المشهد. بل إننا نعتقد أن التحليل العميق يحتاج إلى البحث عن الجهات الخفية المحركة لخيوط اللعبة.. إن ما يُعرف بالمؤسسة الأمريكية خاضعة بالكامل لإملاءات رأس المال الذي يتجمع بقوة في أيدي يهود أو مسيحيين تابعين للصهيوماسونية الحاكمة بالفعل في أمريكا. وكل ما نراه هو طبخة محكمة لإدخال الولايات المتحدة في دوامة العنف في الداخل ومع الخارج. لقد تحولت الولايات المتحدة الأمريكية إلى مستعمرة ضخمة لليهود وأتباعهم  وكانت طوال القرنين الماضيين  قاعدة لمراكمة ثروتهم والتحكم في العالم. ويبدو أنها قد أنهت مهمتها الآن ويجب التخلص منها وتدميرها تمهيدا لبناء نظام بديل تفرزه الحرب العالمية المنتظرة، تماما كما أفرزت الحروب العالمية السابقة أنظمة جديدة وقوى جديدة.
باراك أوباما، في خطاب الوداع الذي ألقاه في مدينة شيكاغو فجر الأربعاء الماضي، عبّر بشكل ماكر عكس ما تخطط له "المؤسسة" أو "الدولة الأمريكية "العميقة"، عن قلقه على الديمقراطية الأمريكية ومن عودة العنصرية، وتراجع قيم التسامح والتعايش في المجتمع الأمريكي، في إشارة واضحة إلى ترامب دون أن يسميه.
ليس أمام ترامب سوى تنفيذ ما هو مطلوب منه؛ أي الفوضى العنيفة في الداخل والحرب غير التقليدية مع الروس وحلفائهم في الخارج أو التعرض للاغتيال الذي يحقق الأهداف نفسها. فالاغتيال ليس غريبا على المؤسسة الحاكمة وهي التي قتلت كينيدي بسبب تمرده عليها كما قتلت عشيقته الممثلة الشقراء مارلين مونرو، وهي أيضا التي أطاحت بالرئيس ريتشارد نيكسون من خلال فضيحة "ووترغيت".

الخميس، 12 يناير 2017

جدلية السياسة والأخلاق في ممارسة الحكم






قاسم شعيب



تحيل صور العنف والقتل والجوع الصادمة إلى معضلة العلاقة بين السياسة والأخلاق داخل الأنظمة السياسية الحاكمة في هذا العالم، وتعيد إلى دائرة الجدل اتجاهات العلاقة المفترضة بين من يريد الاستمرار في إبعاد الأخلاق عن الممارسة السياسية، ومن يأمل في إخضاع السياسة للأخلاق من أجل تنظيفها من مظاهر الخداع والكذب والخيانة والفساد والقتل المجاني..
لا تستغني السياسة عن الأخلاق. وإذا فعلت ذلك، فإن الدولة تصبح حاضنة للفساد. والدولة، التي لا أخلاق تضبط حركة حكّامها والمسؤولين فيها، لا يمكنها أن تكون دولة الإنسان. ما نراه في الواقع أو ينقله لنا التاريخ يؤكد ذلك، ويدعو إلى قلب العلاقة من أجل أنسنة الممارسة السياسية التي كانت ولا تزال بعيدة عن المعنى الإنساني. والقوانين التي يمكن أن تمنع الفساد في ممارسة السياسة والحكم ثبت عدم نجاعتها وأنه يمكن دائما الالتفاف عليها.
لا تتوفر الأنظمة التي لا أخلاق فيها عادة على الحد الأدنى من الحرية الحقيقية، والكرامة الإنسانية، والقوانين المحترمة، والعدالة الاجتماعية. وإذا وجد شيء اسمه حرية، كما في كثير من البلاد، فإنه لا يمكن أن يكون إلا حرية سلبية غرائزية وليس حرية إيجابية تحترم العقل وقيمه.
توجد علاقة جدلية بين الفساد السياسي وغياب الأخلاق. فكلما كان السياسي بلا أخلاق كان فاسدا. بل إن الفكر المؤسس على رؤية مادية للوجود والحياة لا يمكنه إلا أن ينتج نظاما سياسيا واقتصاديا واجتماعيا بلا أخلاق. وفي ظل نظام فاسد، يعاني الأحرار من الناس سواء كانوا مفكرين أو علماء أو ناشطين أو معارضين من الرقابة المسلطة على حركتهم وفكرهم ويعيشون باستمرار خطر استهداف حياتهم أو حريتهم بسبب موقف أطلقوه أو مقال  كتبوه أو كتاب أصدروه..
إن الاستيلاء على السلطة، على أي نحو كان، والاحتفاظ بها من أجل خدمة فرد أو فئة على حساب الناس، يقتضي استعمال أساليب متنوعة من قهر والخداع والاستبداد لفرض رؤية تؤكد على مصالح ضيقة ولا تحتفي بأية قيم ممكنة. يصبح المعارض عدوا، وصاحب الرأي شرا، والمفكر خطرا.. وبسبب ذلك يتم تعميم أخلاقيات الخنوع وممارسات الدجل وسلوكيات الوشاية..
يحتاج أي نظام سياسي يحترم الانسان ويروم صناعة الواقع بشكل سليم إلى ربط الأخلاق بالسياسة بشكل وثيق، وليس إلى فصلهما عن بعضهما كما نظّر لذلك ماكيافيلي الذي كان يقول إن الغاية تبرر الوسيلة وإن الأخلاق شيء والسياسة شيء آخر، وكما تؤكد ممارسات كل الطغاة عبر التاريخ. هتلر، مثلا، كان يخفي تحت وسادته كتاب "الأمير" لميكافيلي لينام قرير العين بعد أن وجد من يقدم له ما توهم أنه طوق نجاته: "الغاية تبرر الوسيلة". والقصة ذاتها تروى عن ستالين وموسوليني وفرانكو وغيرهم من الذين أباحوا لأنفسهم استخدام أشنع أساليب القمع والقهر من أجل غايات رسموها وأهداف ضيقة أقنعوا بها أنفسهم. والدعوة إلى ممارسة نظيفة وأخلاقية لن تسقطنا في أية مثالية لأن الإنسانية مرت بفترات تاريخية امتلكت فيها أنظمة سياسية قائمة على الأخلاق.
وعندما لا يكون هناك مفر من الحرب، فإن الحرب أيضا لها أخلاقياتها حيث تنص القوانين والتشريعات المتفق بشأنها على تجنب المدنيين ومنع التمثيل بالجثث وحسن معاملة الأسرى ومنع الإبادة الجماعية..
وبناء الدولة الأخلاقية لا يعني الاستغناء عن القوة. فالحق لا يستقيم ولا يحكم دون الاستناد إلى القوة بأبعادها المختلفة السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية.. ولأجل ذلك لابد من اكتسابها. إن القوة هنا هي من أجل الحق والأخلاق، وليست من أجل الظلم والقهر. وفي الحالات التي تكون فيها الحرب ضرورة، يجب أن تكون من أجل تحرير الناس ونشر الحقيقة والعدالة والقيم الإنسانية بينهم. فهي حرب ضد الظلم والاستعباد، وليست حربا ضد الناس أو من أجل النهب والهيمنة.
إننا عندما نستقرئ التاريخ نلاحظ بسهولة تتطور الوعي البشري نحو الأفضل. لكن ذلك الوعي كان دائما محاصرا بقوى لا تحب الخير للآخرين وتعمل دائما من أجل تزييف الحقيقة واستغباء الناس بطرق خفية أحيانا وسافرة أحيانا أخرى. لكن الأنبياء والحكماء والفلاسفة، الذين يمتلكون رؤية تفاؤلية نحو المستقبل، كانوا دائما يعِدون الإنسانية بالنصر أخيرا على قوى الشر لنكون أمام تحقق فعلي لكل الآمال الإنسانية. فالحق والخير والجمال والحرية والسلام هي القيم التي طالما حلمت الانسانية الواعية بتحقيقها وهذا الأمر ليس مستحيلا من الناحية المنطقية بل إن مسار التاريخ يشير إليه.
ومن المهم القول إنه من غير الممكن أن تحقق الإنسانية قيمها الكبرى كاملة دون وجود الدولة العالمية التي ترعى تلك القيم. فالدولة التي تملك القوة وتؤمن بالقيم هي التي تستطيع حمايتها ونشرها. ومن دون ذلك يستمر العالم في الحروب والصراعات والتطاحن وظلم الناس بعضهم بعضا.

إن الغايات المعلنة مهما بدت سامية أو مقدسة، لا يمكنها أن تبرّر فساد الوسيلة. فليس مقبولا قتل الناس من أجل الحفاظ على السلطة. وليس أخلاقيا قمع الحريات من أجل تمرير مشاريع. إن الوسيلة السياسية، وهي تدعي خدمة الناس، لا يمكنها إلا أن تكون قيمة أخلاقية بحد ذاتها. ورغم أن حمَلة القيم الأخلاقية لا ينجحون اليوم بسبب قوة الطرف المقابل الذي استطاع كسب الناس إلى جانبه وبأموالهم التي سلبها منهم، إلا أن التاريخ كفيل بالانتصار للخيار الأسلم والأفضل للإنسانية كلها. 

الأربعاء، 4 يناير 2017

الحرب والسلام.. والحاجة إلى نظام جديد للعالم












قاسم شعيب


تتوسع الحروب في هذا العالم كل يوم. وكلما خمدت حرب اشتعلت أخرى. هذا الواقع دعا كثيرين إلى التساؤل عن سبب معقول لذلك. لكن الأسباب لم تعد مجهولة ولا خفية. لم تعد المسألة مرتبطة فقط بتجارة السلاح والدواء والغذاء وإعادة الاعمار والإقراض، بل إنها باتت ترتبط بمشروع كبير يسميه أصحابه النظام العالمي الجديد الذي يحتاج إلى افتعال الحروب والفوضى من أجل بنائه على أنقاض هذا النظام القائم..
يحاول أصحاب هذا المشروع إقناع شركائهم أن السلام العالمي لم يعد ممكنا دون بناء دولة عالمية واحدة ذات حكومة واحدة. لكنهم لا يتحدثون عن العلاقة بين السياسة والأخلاق داخل هذا النظام المزعوم، بل إن كل شيء يشير إلى التحرك نحو تهيش كامل للأخلاق. فهم يريدون التشجيع على الإباحية والإدمان ويراهنون على تدمير الأسرة والأخلاق والأديان.
ليس ممكنا تحقيق السّلام، الذي يتحدث عنه دعاة النظام العالمي الجديد، قبل أن تصبح الأخلاق هي الحاكمة على الممارسة السياسية. فالسلام الأبدي الشامل بين الناس مشروط بانتشار نور المعرفة والتزام الحق واحترام القيم كلها. وعندما نعرف أن الأخلاق كلية وعامة لا تستثني شيئا، فإن ذلك يعني أن إطارها الأفضل هو الدولة العالمية الصالحة والواحدة. وليس دولة بلا قيم ولا أخلاق كما يطرح جماعة النظام العالمي الجديد.
إنهم يتحدثون اليوم عن الدولة العالمية ويخططون لها لأنها تمكنهم من تعميم الأفكار التي يؤمنون بها بين الناس وتجعلهم سادة على العالم. أما قضية السلام أو أية قيم أخرى فلا تدخل ضمن اهتماماتهم، بل إن هدفهم استعباد البشر كما تقول بروتكولاتهم.
نعيش اليوم زمن الحروب والفتن التي لم تعد وحشيتها وهمجيتها خافية. وهذا ليس شيئا جديدا بل إن التاريخ يحدثنا عن أمثلة كثيرة عنه. وما يقال عن الحرية والحقوق في الغرب لا يبدو حقيقيا أمام ممارساته التي تفتعل الحروب والصراعات من أجل الهيمنة والإخضاع والنهب. فهناك حيث يحكم رأس المال لا توجد سوى ديمقراطية شكلية وحريات سلبية وقيم محدودة وصلت اليوم إلى مرحلة الاهتراء.
بنيت الدولة في الغرب على أساس قيم محدودة اخترعتها تصورات الإنسان الضيقة. وتلك القيم المحدودة تآكلت اليوم. ولأجل ذلك تحتاج الدولة الإنسانية ذات الامتداد العالمي أن تكون دولة الانسان في كليته وهذا لا يمكن ان يحصل إلا بالانطلاق على أساس قيم مطلقة.
وحتى تستمر في الوجود وتحقق أهدافها، تحتاج تلك الدولة إلى مجموعة من العناصر. وتلك العناصر هي وحدة الفكر ووحدة القيادة ووحده القيم ووحدة الهدف. وهي عناصر تستهدف الانسانية كلها باعتبارها نوعا. فالدولة العالمية لابد ان تكون لكل الناس، وليس دولة فئة كما يطرح دعاة النظام العالي الجديد. ولابد أن تكون قيمها نوعية موجهة إلى النوع البشري وليس إلى فرد دون آخر أو فئة دون أخرى. إن الأمن والسلام والعدالة والحرية والعلم.. هي القيم الأساسية التي لا مجال لتحقيقها دون قيادة تتمثّلها وفكر يتبناها وقوانين تحميها.
لن تنتهي الحروب إذا بقي العالم محكوما بدول منفصلة لا تتبنى سوى مصالح المجموعة التي تحكمها. فهذه الدول المتعددة لا يمكنها تجنب الحرب والصدام لأن تناقض المصالح الفئوية والجزئية يقود إلى ذلك، كما أن القيم المحدودة التي تتبناها تلك الدول لا يسمح لها بالاستمرار وحماية القيم الإنسانية العليا. والحرب التي نراها اليوم تتحرك على مستوى العالم، تفتعلها دول تدعي الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، وهو ما يعني فشل كل المنظومات الفكرية والفلسفية التي تنبني عليها تلك الديمقراطية.
وحتى فكرة المنظمة الأممية الراعية للسلام التي دعا إليها كانط وتحولت لاحقا إلى واقع، مثل عصبة الأمم ثم منظمة الامم المتحدة، لم تستطع إيقاف الحروب. بل إن تلك المنظمة كانت مجرد إطفائي حرائق في أحسن الأحوال مهمتها تسكين الآلام التي تسببها الحروب أو الظلم الذي تمارسه الأنظمة الفاسدة من خلال بعض التصريحات أو المساعدات..
لقد التقط دودرو ويلسون (1856 ـ 1924)، وهو الرئيس الثامن والعشرين للولايات المتحدة الاميركية (1913 ـ 1921)، فكرة الفيلسوف الألماني كانط. فقد كان تلميذا له وأصبح أستاذا جامعيا، ورئيسا لجامعة برنستون قبل أن ينتقل إلى السياسة ويصل إلى موقع الحكم. أسّس ويلسون عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى مباشرة من أجل حل النزاعات التي قد تنشب بين الأمم عن طريق الاحتكام إلى القانون الدولي وليس إلى قعقعة السلاح. وكان الجميع يظن أنها فكرة ثورية تستطيع التأسيس لنظام عالمي لا يحكم على أساس القوة. لكن ذلك لم يوقف اندلاع الحرب العالمية الثانية. وبعد قرن من الحروب المتتالية التي تفتعلها عادة أنظمة أوروبية وأمريكية محكومة بواسطة قوى شريرة لا تحب الخير للبشرية، تأكَّد أن المصالحة بين الأخلاق والسياسة، ليست ممكنة في ظل الفكر الليبرالي الخاضع بكليته لسطوة الرأسمالية المنفلتة.
إن المشكلة ليست في هذا الشخص أو ذاك داخل الإدارة الأمريكية مثلا، بل إنها أعمق من ذلك بكثير. إنها مشكلة فلسفة ورؤية. مشكلة دين وفكر ومنهج في الحياة. فما يروّج له الغرب وأمريكا من خلال فكرة النظام العالمي الجديد ليس نظاما بلا دين بل إنه نظام له دينه. لكنه دين مدمّر لأنه يدعو إلى ضرب كل القيم الإنسانية السامية من خلال نشر الإدمان والسدومية والخراب.. إن ما كان يدعو إليه وينستون من سلام وعدالة لا يختلف عن خطاب أي رئيس أمريكي آخر. وهذا يعني أن ذلك الخطاب كان مجرد مصيدة وفخ للإيقاع بالبسطاء في حبائل الرأسمالية الليبرالية القائمة على الغرائزية المفرطة وسرقة جهود الناس البسطاء.
إن الإرهاب والحروب والظلم الذي يمارس اليوم باسم الدين، تديره المخابرات الغربية كما يتكشف ذلك من خلال تسريبات كثيرة يتم فيها إخفاء الأدلة. وعندما يتعلق الأمر بمنظمات إرهابية مثل القاعدة وداعش التي تقتل وتفجر باسم الإسلام، فإنه من المهم معرفة الجهات التي صنّعت وموّلت ودرّبت وسلّحت. وقد اعترف الأمريكيون في مناسبات متعددة أنهم هم من صنعها تماما كما صنع قبلهم البريطانيون المذهب الوهابي ليكون الأساس الايديولوجي للإرهاب باسم الإسلام. فذلك يعني تشويهه وتقديمه على مستوى العالم دينا دمويا وإرهابيا لأن هذا الدين يمثل العقبة الأخيرة ضد المشروع الرأسمالي الذي يريد حكم العالم في إطار دولة واحدة.
إن الذين فجروا في نيويورك وواشنطن وبالي وبغداد ودمشق واسطنبول وتونس وبيروت.. والذين يقتلون في الموصل وحلب.. الآلاف من المدنيين الأبرياء، صنّعتهم المخابرات الأمريكية كما قال الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب. فالارهابيون هم عادة مدمنون ومنحرفون يتم غسل عقولهم في وقت قياسي ليسهل بعد ذلك التحكم فيهم. وتلك الجهات المخابراتية هي التي تحكم عقولهم وحركتهم من خلال غسل أدمغتهم أو استخدام أنظمة تكنولوجية حيوية مثل رقاقات البيو شيب Bio chip.
ما يفعله الغرب هو الاستثمار في تخلّف العرب. فلاشك أن هؤلاء العرب يعانون اليوم أسوأ حالاتهم حيث ينتشر بينه الجهل والفساد والاستبداد والصراعات والتشتت. بلغت نسبة الأمية في مجمل العالم العربي في سنة 2014 حوالي 19% من إجماليّ السكان، وبلغ عدد الأميين نحو 96 مليون نسمة. وعلى مستوى العالم، تقول منظمة اليونسكو إن عدد الذين يعانون من الأمية يبلغ 757 مليون شخص فوق 15 عاما حول العالم، بينهم 115 مليونا في مرحلة الشباب، و59 في المئة من هؤلاء إناث.
وأوردت منظمة الأغذية والزراعة بالأمم المتحدة "الفاو" في تقرير أصدرته، في شهر جوان يونيو 2015، أرقاماً صادمة حول مستويات الفقر المدقع في غالبية البلدان العربية، وحسب ما أكدته المنظمة في تقريرها زادت معدلات الفقر في 15 من أصل 19 دولة عربية عضوا في المنظمة. وبلغ عدد من يرزحون فيها تحت خط الفقر المدقع، وفقاً للتقرير، أكثر من 33 مليون نسمة. وتصل البطالة إلى أكثر من 47 % في بعض الدول العربية. وعلى مستوى العالم، أشارت مدوّنة نشرت على موقع "البنك الدولي" إلى أنّ ثلث شباب العالم عاطلون عن العمل ولا يحصلون على التعليم أو التدريب. ومن بين المليار شاب الذين يُتوقع دخولهم سوق العمل في العقد القادم، فقط 40% يُتوقع أن يحصلوا على وظائف متوفرة حالياً. وسيحتاج الاقتصاد العالمي إلى خلق 600 مليون فرصة عمل في السنوات العشر المقبلة لمواكبة المعدلات المتوقعة لتوظيف الشباب.
وفي موضوع تعاطي المخدرات أظهر "تقرير المخدرات العالمي لعام 2016"، الذي أصدره "البرنامج العالمي لمكافحة المخدرات والجريمة" (UNODC)، التابع للأمم المتحدة، أن نحو 250 مليون شخصاً في العالم، أي نحو 5% تعاطوا المخدرات غير المشروعة، بمختلف أنواعها. ولفت إلى أن 144 مليوناً يتعاطون البانغو، و29 مليوناً يتعاطون منشطات وحبوب "أكتستاسي"، و14 مليوناً يتعاطون الكوكايين، و13.5 مليوناً يتعاطون الأفيون، و9 ملايين يتعاطون الهيرويين. ورغم أن الدول العربية تتكتم على الرقم الحقيقي لمدمني المخدرات إلا أن الأرقام تشير إلى أن نسبة المدمنين تزيد عن الـ 10%.
أمام هذا الواقع من السهل تمرير أجندة إرهابية تعتمد غسل العقول تمهيدا لتحقيق أهداف كبيرة لكنها ليست سوية. إن هذا كله يؤكد فشل الإيديولوجيا الليبرالية الغربية ونظامها الاقتصادي الرأسمالي في حل مشاكل الإنسانية، وليس فقط فشل العرب في النهوض بأنفسهم لتجنب استهدافهم وإخضاعهم. وهو ما يعني ضرورة تبني نظام اقتصادي وسياسي جديد يكون قائما على الأخلاق وقادرا على حل تلك المشاكل. فلم يعد هناك معنى لمحاولات الترقيع التي يدعو إليها البعض داخل هذا النظام الذي يراد تعميمه وقولبة العالم كله في إطاره لأنه لا يملك، من الأساس، توازنا داخليا ولا يقوم على أساس فلسفي وأخلاقي متين.


الاثنين، 26 ديسمبر 2016

حروب الجيل السابع.. تكنولوجيا التحكم في العقول ومشاهد العنف المتنقل





قاسم محمد


تتسارع مشاهد العنف والإرهاب التي تتناقلها شبكات التلفزيون ووكالات الأنباء. والخيط الرابط بينها جميعا إظهار الاسلام دينا دمويا لا يخرِّج سوى إرهابيين. من مشهد اغتيال السفير الروسي في أنقرة إلى صور اغتيال المهندس التونسي في صفاقس وصولا إلى عملية دهس مواطنين في برلين.. كان هناك دائما طرفا مسلما، هو في الغالب الطرف القاتل. وعندما يكون هو الطرف المقتول، فإن تهمة الإرهاب تلاحقه دائما ليقال إنه قُتِل لأنه إرهابي.
تبدو التحاليل، التي يلقيها، عبر شاشات التليفزيون، إعلاميون وكُتّاب ومُخْبِرون، سطحية وبسيطة ومكررة. لا حديث عن الخيط الرابط بين كل تلك العمليات. ولا بحث في جهة مفترضة لها أهداف كبيرة تحرك من أجلها الإرهاب على مستوى العالم وتجعل مسرحه أكثر مناطق العالم حيوية وأهمية؛ شمال المتوسط وجنوبه. ولا إدراك أن أكثر ما نعايشه من قتل ومعارك وعمليات إرهابية واغتيالات يشكل منظومة حرب متكاملة تعتمد غسل العقول وتشتيت الأذهان من خلال المشاهد الدموية والأخبار الصادمة. كل ما هنالك حديث عن التطرف الديني وضرورة محاربته وكل ذلك الكلام القديم.
تكثيف المشاهد الدموية سواء كانت حقيقية أو مسرحية هدفه شل قدرة المتلقي على التحليل والتمييز ليضيع المتابع في تفاصيل يومية تتشابه حينا وتتنوع أحيانا. وشل القدرة على التحليل ليس هو الهدف الوحيد بل هناك أهداف أخرى أكبر من ذلك بكثير وهي إسقاط الناس في دائرة الإحباط وكره الذات واتهام الثقافة الخاصة والخروج عن كل ما هو قيم وأخلاقيات ودين.
لم يعد الإسلام، المستهدف بقوة، دينا عقلانيا وإنسانيا وساميا في أعين الجاهلين بحقيقته، بل بات عنوانا للإرهاب والعنف والتخلف. وعندما يتم انتقاء شباب، عرف عنهم الانحراف ولكنهم يحملون صفة العربي المسلم، ليتم استخدامهم في قتل الناس، فإن ذلك يعني أن الهدف تدمير صورة هذا الاسلام الذي يحملون عنوانه. 
يمارس الإعلام بمختلف أدواته أساليب البرمجة العصبية لاقتحام العقل الباطن للمتلقي وإلقاء مجموعة ضخمة من الأفكار والمواقف والأوهام المدمّرة التي تصبح مع الوقت الحقيقة التي لا شك فيها، ليتحول الناس، بذلك، إلى مجموعة من الدمى التي يتم التلاعب بها والتحكم فيها بيسر وسهولة.
غير أن الإعلام لا يمثل سوى جزء من الأدوات التي تستخدمها الولايات المتحدة الأمريكية ومن يحكمها خلف الستار، فهي تمارس شكلا آخر أكثر خطورة هو ما يسمونه حروب الجيل السابع التي تحاول جر العالم إلى واقع هولوغرامى خيالى يتم التحكم فيه بدقه.
تختلف حروب الجيل السابع عن حروب «الكيمتريل» أو الحروب البيولوجية، التى يتم من خلالها استحداث أنواع من الميكروبات والفيروسات والغازات السامة وغاز الأعصاب على نحو ما حدث إبان حرب الخليج الأولى، عندما ظهر "مرض الخليج". كما تختلف عن الحروب التى تعتمد اصطناع الكوارث الطبيعية كما فعلوا في اندونيسيا حين تسببوا لها في زلازل وتسونامي.. وتختلف أيضا عن تلك التي تهاجم، عن بُعد، مواقع محدّدة من أجل تدميرها بشكل شامل.
تستهدف حروب الجيل السابع عقل الإنسان بشكل أساسي من أجل السيطرة عليه من خلال استخدام وسائل كثيرة مثل شبكة الأقمار الصناعية المنتشرة فى مدارات الكرة الأرضيّة، التى تقدر أعدادها بالملايين، والتى تستطيع التحكم عن بُعد فيما عُرف بشرائح التحكم البشرى أو RFID و Bio chip.
وشريحة الـ Bio-chip، مثلا، تزرع في معصم اليد اليمنى أو الجبين. وهي ليست فقط بديل عن بطاقة الهوية الشخصية، بل تزرع أيضا من أجل السيطرة والتحكم البشري. وهذه الشريحة هي في حجم حبة الأرز تقريبا إذ يبلغ طولها 11.5 مليميتر.
وقد قامت أجهزة الاستخبارات الأمريكية بتجربتها فعليا على قرابة مليارى شخص، وقد نجحت التجربة بطريقة جعلت الولايات المتحدة تخطط لتعميمها.. بل إن هناك قرارا بأن تشترك تلك الأقمار مع منظومة "إيشلون" للتجسس حول العالم وغيرها من مشاريع القرصنة الحديثة المتعددة، كالقرصنة البيولوجية أو Bio-Hack.
أصبح الإنسان جزءً من منظومة معلوماتية لا معنى للخصوصية فيها. ومن أجل أن تعمل المنظومة لا بد أن يُسجَّل الإنسان باعتباره وحدة ذات رقم تسلسلي، فكل إنسان له تردد كهربي حيوي مستقل عن غيره في المخ، تماماً كما البصمة. والذين تتم زراعة الشريحة في أجسامهم برقم معين، يتم تسجيلهم في مركز يسمى المركز العالمى لتتبع البشرية. وهذا المركز مسؤول عن تخزين بيانات جميع الأشخاص الذين قاموا بزراعة الشريحة داخل أجسادهم، وتتبع خط سيرهم، وتحديد أماكنهم في أية لحظة.
ومن خلال الأقمار الصناعية التجسسية يمكن تصوير الأشخاص حتى داخل المباني والتقاط أصواتهم، كما يمكن قراءة أفكار الأشخاص المزروع لهم الشريحة، بل والسيطرة عليهم كهرومغناطيسيا.
غير أن هناك قدرة مرعبة أخرى للأقمار الصناعية وهي التلاعب بعقل الشخص بواسطة "رسالة" صوتية خفية، وهو صوت ضعيف جداً لا يمكن أن تسمعه الأذن بشكل واعٍ ولكن يستقبله العقل اللاواعي، من أجل دفع الشخص إلى القيام بأي عمل يُراد منه.
وعلى هذا النحو تعتمد حروب الجيل السابع على شرائح أو رقاقات التحكم في البشر. وهى رقاقات يتم إدخالها إلى الجسم بواسطة قاذف لتخترق الجسد دون شعور بالألم. وتستهدف المكان المخصص لها بحسب ما تم برمجتها عليه، مما يعني سهولة زراعتها دون علم الإنسان. فالرقاقة المصنعة بتقنية النانو تحتوي على مكثفات كيميائية وبلاستيك مهجن يشبه المُصل.
أما غلاف الرقاقة، فهو معالج بالهندسة البيولوجية. وتعمل المكثفات الكيميائية كالبطارية. والبلاستيك، المهجن مع الدوائر ليكون جهاز إرسال واستقبال، متوافق مع أنسجة الجسم.
وتلك الشريحة، التي لا يمكن اكتشافها إلا بأشعة الرنين المغناطيسي، يمكن تفجيرها بواسطة جهاز مؤقت داخلي أو بأمر خارجى. بل إنه من الممكن إرسال أوامر صوتية عبر الترددات إلى مركز السمع في الدماغ وتخزين المعلومات.
وهكذا، تستهدف تقنية زراعة الرقائق السيطرة المباشرة على المخ وإعاقة التفكير وشل التركيز، ولأجل ذلك تتم زراعتها في الأذنين والجبين، رغم أن ذلك قد يسبب إصابة الضحية بحالة انفصام في الشخصية. أما زراعتها في مراكز الإبصار فيشوش الرؤية وقد يسبب العمى. ويكون تأثير تلك الرقائق بحسب برمجتها، إذ من الممكن تعبئة المخ بأفكار معينة أو دفعه إلى الانتحار أو جره إلى قتل آخرين. 
والأجيال الجديدة المصنعة من شريحة الميكرو تشيب، استخدمت فيها تقنية النانوتكنولوجى وتقنية الميكروتشيب، ويصل قطرها خمسة ميكرومليميترات. أي عشر قطر شعرة من الرأس التي تقدر بخمسين ميكرومليميترا. والمليميتر يساوي 1000 ميكرو ميتر.
توجد في الدماغ البشري مناطق ترتبط ارتباطاً بشكل وثيق مع اتخاذ القرار، مثل قرار القبول أو الرفض. كما توجد مناطق ترتبط بالتحكم في السلوك. وتلك المناطق موجودة في الفص الجبهي وأمكن الكشف عنها بواسطة الفحص بطريقة خاصة بالرنين المغناطيسي.
وبذلك أصبح من الممكن السيطرة على قرار شخص بعد أن أمكن إيجاد وسيلة تساعد على التحكم في هذا الجزء من الدماغ. والبايوتشيب Bio Chip التي تُزرع في الجبين، تنسجم مع أنسجة الجسم، فكلمة bio تعني حيوى. تصبح المهمة الرئيسية هي ربط هذه المنطقة من الجسم بمراكز التحكّم عن طريق الأقمار الصناعية والتوجيه عن بعد، وبذلك يتم إقناع كل البشر الذين تمت زراعة تلك الشريحة بجباههم بأي أمر كان، حتى لو كان الأمر يتعلق بإيمان الشخص وعقيدته. وليس فقط بقناعات فكرية أو سياسية.
توصف الحروب الجديدة بالحروب اللاتماسية. فهي تستخدم الإنسان أداة للقضاء على الأنظمة السياسية من خلال تحريك الشعوب ذاتها بإشعال ثورات داخلية تُحدث التغيير دون أي تدخلات مباشرة.
وهذه الشرائح، التي تستخدمها الولايات المتحدة الأمريكية، يجعلها منها الدولة الأكثر انتهاكا لحقوق الأفراد وخصوصياتهم. بل إن ذلك يؤكد حقيقة أنها الدولة الأولى الراعية للإرهاب عبر العالم. فهي بذلك قادرة على افتعال أيه أعمال قتل أو إجرام أو اغتيال أو تفجير في أي مكان من العالم.
ومن المهم الوعي بخطورة هذه التقنية التي يمكنها أن تحوِّل حياة البشر إلى كابوس دائم كما تفعل الولايات المتحدة من خلالها. فنحن نرى كل يوم كيف تتوالى الأعمال الإرهابية وكيف يتم جر دول بأكملها إلى مستنقعات الحروب من أجل استنزافها وتدميرها من خلال افتعال تلك الأعمال.
ولا شك لدينا أن محاولة تعميم هذه التقنية في العالم كله من خلال زرعها في جباه المواليد الجدد يعني إصرارا أمريكا على التحكم المباشر في البشر جميعا ليصبح الناس عبيدا للنظام العالمي الجديد المزعوم الذي تمهد له القوى المهينة في هذا العالم. فالأمر لم يعد خيالا علميا أو فنتازيا ساحرة. بل إنه يتحول، يوميا، إلى واقع.


الخميس، 22 ديسمبر 2016

صورة النبي في روايات البخاري







قاسم شعيب


لم يخترع الذين كتبوا في سيرة النبي من المستشرقين والمستغربين أشياء من خيالهم عندما أرادوا الإساءة إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم. بل هم كانوا يلتقطون، في الغالب، روايات مختلقة أحيانا، ومزوّرة أحيانا أخرى، مثبتة في كتب الحديث والسيرة من أجل أن يطلقوا شتائمهم نحو خاتم النبيّين.
لم يكن الهمّ المعرفي هو المسيطر على المستشرقين وتوابعهم من العرب والعجم عندنا، بل إن هؤلاء، في معظمهم، وربما كلهم، كانوا ولا يزالون، مرتبطين بأنظمتهم الاستعمارية وأجهزة مخابراتها. لم تكن المسألة المعرفية حاضرة لديهم إلا بمقدار ما يخدم مخططاتهم في مسخ عقول العرب والمسلمين وتشكيكهم في دينهم تمهيدا للسيطرة عليهم ونهب ثرواتهم.
يظهر القرآن الكريم النبي صلى الله عليه وآله وسلم شخصا على خلق عظيم. إنسان كامل يحمل كل صفات الجمال. كان النبي رؤوفا سمحا عطوفا، صاحب عقل كبير. ولم يكن يلجأ للحرب إلا دفاعا عن النفس. ومع أن المنافقين كانوا محيطين به في المدينة وحولها، وكان يعرفهم، إلا أنه لم يطردهم ولم يستهدفهم ولم يحرمهم شيئا.
ونسبة أعمال وحشية للنبي وأخرى مناقضة للأخلاق والدين لم يكن إلا حلقة لصناعة إسلام ضد الاسلام، أي صناعة إسلام متوحش بلا عقل ولا أخلاق، يتكرر في كل مرحلة تاريخية.

رجل مبهم

البخاري (شوال 194 هـ - شوال 256 هـ) هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزبَه الجعفي البخاري. وقد اختلف المؤرخون حول أصله فأخذ بعضهم برواية أبو أحمد بن عدي الجرجاني في كتاب "الكامل" أن جدّه الأكبر بردزبه كان فارسي الأصل، عاش ومات مجوسيّاً. أمّا جدّه المغيرة فقد أسلم على يد والي بخارى: يمان المسندي البخاري الجعفي، فانتمى إليه بالولاء وانتقل الولاء في أولاده، وأصبح الجعفي نسباً له ولأسرة البخاري. وقال آخرون أنه عربي أصله من الجعفيين. وذكروا أن جدّه الأكبر هو الأحنف الجعفي.
فهو إذن شخص مبهم، ولا يوجد اتفاق حول أصله ونسبه. ورغم الشهرة الواسعة التي نالها، إلا أنه يبقى شخصا مجهولا كما هي حالة الكثيرين من زعماء الدين والسياسة.
كل ما نعرفه من أصله الفارسى أنه ابن بردزبه. اكتسب ولاء عربيا واسما عربيا كما هي العادة في ذلك العصر العباسى. ليس فى ترجمته التي أوردها الذهبي في "سير أعلام النبلاء" معلومات عن نشأته وأسرته وحياته الاجتماعية عدا عن رواية أو اثنتين عن عَمَاه وردّ بصره، وحفظه الحديث في الكُتّاب. كل ما هنالك أسماء من سمع منهم الحديث، وأسماء من سمعوا منه الحديث، ومؤلفاته. وهي معلومات قليلة لا تناسب شهرته العريضة والطاغية، ولا تتناسب مع المعلومات الكثيرة التى تملأ صفحات عن علماء أقل منه شهرة وعاشوا قبله وبعده. بل وعاشوا قبل التدوين، ومع ذلك قامت الروايات بتفصيل حياتهم لأنها كانت مشهورة ومعروفة وتحت أعين الناس. إن الباحث المنصف لا يمكنه أن يقارن ترجمة الحسن البصرى، مثلا، فى العصر الأموى قبل شيوع التدوين والتى ازدحمت صفحاتها بالتأريخ له، بترجمة البخارى. ولا يمكن أن يقارن ترجمة سعيد بن المسيب المطولة ببضع صفحات يسيرة فى ترجمة البخارى. ولا شك أن المقصود هنا هو الترجمات الأولى لشخصية البخارى، أي تلك التى كتبها من أدركه أو أدرك عصره، لأن من اللاحقين، ممن جاء بعد البخاري بقرون ووصل به الأمر إلى مستوى التقديس، كتب فى "مناقب البخارى" أشياء يعجب منها إبليس.
ليس من الطبيعي أن يعيش البخارى فى أكثر العصور تدوينا وكتابة ثم لا يحظى بترجمة تناسب عصره وشهرته التى طغت وانتشرت بعد وفاته. ظهر البخارى فجأة وهو يحمل ولاء عربيا واسما عربيا من أجل خدمة أهداف، اعتبرها كثيرون مشبوهة، الضحية فيها هو الإسلام ونبيه.
كان البخاري جزء من التيار الشعوبي الذي ظهر حينها والذي كان همّه إفساد الإسلام من خلال وضع أحاديث ومرويات كاذبة نشرها تلامذة الهيثم بن عدى. مات الهيثم بن عدى، الذي كان هواه مع الخوارج كما قال ابن خلكان في وفيات الأعيان، سنة 207هـ، حسيرا مجهولا، لكن تلميذا له نجح، وأصبح رجلا مقدسا لدى رعاع المسلمين حتى الآن، رغم أنه مات سنة 256 هجرية. هذا التلميذ هو ابن بردزبه المشهور بلقب "البخارى" نسبة إلى إقليم بخارى فى خراسان التي كانت أشد مناطق فارس تعصبا ضد العرب والإسلام.
ورغم أننا نتفهم المعاناة والظلم الذي تعرضت له تلك البلاد التي فتحها الأمويون والعباسيون، إلا أن ردة الفعل ضد النبي صلى الله عليه وآله وسلم والإسلام لم تكن في محلها. وهي إما أن تكون صادرة عن جهل كامل بالإسلام في حقيقته، والتوهم بأن الأموي والعباسي يمثلونه، أو أن تكون ناتجة عن حقد دفين ضد الإسلام ذاته رغم معرفة المهاجمين لحقيقته المتسامحة والرافضة للممارسات الظالمة لبني أمية وبني العباس وأشباههم.

الرواية عن منحرفين

لم يرو البخاري ولو حديثا واحدا عن الإمام جعفر الصادق الذي توفي سنة 148 هـ، والذي كان محل إعجاب وتقدير كلِّ من عرفه، والذي حضر دروسه الآلاف من الطلاب ومنهم مالك بن أنس وأبو حنيفة النعمان.. وفي المقابل لم يتورع عن الرواية عن بعض النواصب والخوارج، ممن ثبتت عداوتهم لأهل البيت مثل إسحاق بن سويد وحريز بن عثمان وزياد بن علاقة الثعلبي وزياد بن جبير الثقفي ومقاتل بن سليمان والمغيرة بن شعبة وعكرة وداوود بن الحصين وعمران بن حطان.. وهذا ما يضاعف الشكوك حول أهداف البخاري المتوخاة من كتابه.
ورغم أن ابن تيمية برّر ذلك بقوله: وقد استراب البخاري في بعض حديثه - الإمام جعفر بن محمد الصادق- لمَا بلغه عن يحيى بن سعيد القطان فيه كلام. إلا أنه تبرير أقبح من ذنب، لأن الإمام الصادق كان معلّم المحدثين والمتكلمين والفقهاء وكان معروفا لدى الجميع بعلمه وأخلاقه. وتكفي فيه شهادة مالك وأبي حنيفة رغم أنه في غنى عن شهادة أي أحد فيه.  والإمام الصادق ليس الوحيد الذي لم يرو عنه، بل إنه لم يرو أيضا عن أئمة أهل البيت الحسن والكاظم والهادي والعسكري المعاصر له.. وكلّهم في الفضل سواء كما يشهد لهم من عرفهم.
يفتقر كتاب "الجامع الصحيح" إلى التنظيم مقارنة بكتب أخرى في الحديث والتاريخ كتبت في العصر ذاته الذى عاش فيه البخارى مثل "طبقات ابن سعد" و"صحيح مسلم" والتي جاءت أكثر ترتيباً وتنظيماً وتبويباً.
لكن تلك الفوضى لا يبدو أنها كانت عبثية. فهو يوزّع أحاديث معينة بطريقة خاصة لتتبعثر خلال أكوام من الأحاديث الأخرى التى يبدو ظاهرها حسناً، لكنه في الحقيقة يخفي فيها عقيدته الخاصة ورؤيته التي تتضمن تشويها لصورة النبى. إن اغتيال شخص بالسم لا يتم بأن تطلب منه أن يشرب قليلا من أجلك، بل تدس له السم في ما يأكل أو يشرب.

شراء رضا السلاطين

 روى البخارى عن أبي هريرة وأنس وعائشة وغيرهم أحاديث تحث على طاعة السلطان ـ أي سلطان ـ وبذلك ضمِن البخارى أن يتمتع كتابه في كل عهد برعاية السلطة الحاكمة، فكل خروج على الحاكم، مهما كانت أسبابه وجيهة، فتنة وشق لعصى الطاعة وتفرقة للجماعة..
في باب الصبر على جور الأئمة وترك قتالهم والكف عن إقامة السيف، الحديث 3193 يورد البخاري عن ابن عباس قوله : "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات فميتته جاهلية، وفي لفظ: من كره من أميره شيئا فليصبر عليه فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبرا فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية".
وفي الحديث رقم 3194 يورد: "عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي ويكون خلفاء فيكثرون، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: فُوا ببيعة الأول فالأول، ثم أعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم".
إن البخاري بهذا الحديث، وما يشبهه، يريد إخضاع الجميع للحاكم مهما بلغ ظلمه ومهما كانت ممارساته فالبيعة له واجبة والوفاء بها واجب والميتة بلا بيعة للسلطان، مهما كان ظالما، ميتة جاهلية. البخاري بهذه الروايات يشترى رضا السلاطين عليه عبر التاريخ ليصبح كتابه في النهاية الكتاب المقدس لدى رعاع المسلمين، مقدما حتى على القرآن نفسه.

الإساءة إلى النبي في أخلاقه

ينسب البخاري حديثا إلى أم حرام، التى ادعى البخارى أن النبى كان يدخل عليها وينام عندها، وهي متزوجة. وبعثره البخارى في مواضع شتّى في كتابه ورواه بصور مختلفة، بحيث يبدو واضحاً أنه كان ينتهز أي فرصة ليرويه ويضعه تحت أي عنوان..
في باب "الدعاء بالجهاد والشهادة للرجال والنساء" يروي البخارى عن أنس بن مالك الآتى: "كان رسول الله يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه، وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت، فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطعمته وجعلت تفلى رأسه فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استيقظ وهو يضحك قالت: قلت وما يضحكك يا رسول الله؟ ناس من أمتى عرضوا علىَّ غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكاً على الأسِّرة، أو مثل الملوك على الأسرة، شك إسحق، قالت: فقلت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلنى منهم، فدعا لها رسول الله، ثم وضع رأسه، ثم استيقظ وهو يضحك، فقلت: وما يضحكك يا رسول الله؟ قال: ناس من أمتى عرضوا على غزاة في سبيل الله كما قال في الأول، قالت: فقلت يا رسول الله ادع الله أن يجعلنى منهم، قال: أنت من الأولين، فركبت البحر في زمان معاوية بن أبى سفيان فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت". والمضحك أن الراوية للحديث هى بطلته أم حرام نفسها، وتقول الرواية أنها هلكت، ومعناه أنها روته بعد أن هلكت وماتت!.
ورغم أنه في أبواب أخرى يروي البخاري هذه الرواية بطرق أخرى ليس فيها النبي نام عند أم حريم، إلا أنه وضع في ذهن القارئ منذ البداية أن أن النبي يدخل على سيدة متزوجة في غياب زوجها.. ثم يترك البقية لخيال القارئ بشكل محبوك..
وفي رواية أخرى، أسندها إلى أنس، يستعرض البخاري مهاراته في تأليف القصص يقول: "أن أم سليم كانت تبسط للنبى نطعا فيقيِّل عندها ـ أي ينام القيلولة ـ فإذا نام النبى أخذت من عرقه وشعره جعلته في قاروة ثم جمعته في سُك، فلما حضر أنس بن مالك الوفاة أوصى أن يجعل في حنوطه من ذلك السُك فجعل في حنوطه..". فالبخاري يريد أن يؤكد أن النبي معتاد على النوم عند النساء وحدوث تماس معهن! وأن الحصول على عرقه وشعره يتم بهذه الطريقة..
وفي رواية أخرى يسندها إلى أَنس بن مالكٍ، يقول: "قَدِمْنَا خَيْبَرَ فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْحِصْنَ ذُكِرَ لَهُ جَمَالُ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ وَقَدْ قُتِلَ زَوْجُهَا وَكَانَتْ عَرُوسًا فَاصْطَفَاهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ فَخَرَجَ بِهَا حَتَّى بَلَغْنَا سَدَّ الصَّهْبَاءِ حَلَّتْ فَبَنَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ صَنَعَ حَيْسًا فِي نِطَعٍ صَغِيرٍ".
فالنبي، حسب البخاري، لم ينتظر حتى تتم صفية عدّتها ثم يتزوجها، بل إنه باشر البناء عليها دون انتظار. والرواية لا تشير إلى أن سبب الزواج هو محاولة التخفيف على صفية وإبدالها زوجا خير زوجها القتيل، بل إنها ركزت على جمال صفية كما لو أنه لم تكن هناك جميلات غيرها. وكما لو أن النبي يصعب عليه الحصول على فتاة جميلة للزواج منها وهو النبي والحاكم. وكما لو أن خاض الحرب من أجل النساء. تحول النبي، حسب البخاري، إلى رجل مهووس بالجنس وليس بممارسة واجب تبليغ الرسالة بأقصى ما يمكن من الالتزام الديني والأخلاقي.
كانت صفيةُ بنتَ حُيي بن أخطب اليهودي، وهذا الرجل تزعم بعض كُتُب السنن الأخرى أن الرسول قد قتله بعد ربطه.. مما يعني أن النبي قتل رجلاً وهو أسير. [البيهقي، السنن الكبرى، ج6، ص52]، بل إن ابن حبان يدّعي أن رسول الله قتل زوجها وأخا زوجها [صحيح ابن حبان ج11ص607] وهو ما يعني أن النبي قتل رجلين ليتزوجها هو.. والأسوأ من ذلك أنه دخل بها دون أن تنقضي عِدّتها..
لا يضرب البخاري بهذه الروايات صورة النبي فحسب، بل يستنبت منذ ذلك الحين دينا متوحّشا حشْوُه النساء. وهذا ما تجلّى عبر العصور، وكانت التيارات السلفية العنيفة تعبيره الأقصى.

اتهام النبي بمحاولة الانتحار

ينسب البخاري إلى النبي محاولته الانتحار في حديث أورده تحت رقم  6581، في كتاب "التعبير". ولفظه: "قَالَ الزُّهْرِيُّ فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: ".. وَفَتَرَ الْوَحْيُ فَتْرَةً حَتَّى حَزِنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا بَلَغَنَا حُزْنًا غَدَا مِنْهُ مِرَارًا كَيْ يَتَرَدَّى مِنْ رُؤوسِ شَوَاهِقِ الْجِبَالِ، فَكُلَّمَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ لِكَيْ يُلْقِيَ مِنْهُ نَفْسَهُ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا، فَيَسْكُنُ لِذَلِكَ جَأْشُهُ، وَتَقِرُّ نَفْسُهُ، فَيَرْجِعُ؛ فَإِذَا طَالَتْ عَلَيْهِ فَتْرَةُ الْوَحْيِ غَدَا لِمِثْلِ ذَلِكَ، فَإِذَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ".
وهذه محاولة مفضوحة للإساءة الى النبي في بداية بعثته. من الممكن أن يكون النبي قد حزن لتأخر الوحي عنه، غير أن مجرد التفكير في الانتحار ليس أبدا صفة الرجل القوي والواثق والمؤمن الذي وصفه القرآن بصاحب الخلق العظيم. والصبر والتحمل والثقة بالنفس والإيمان الراسخ كلها أشياء يتتمع بها فضلاء الناس فضلا عن خاتم الأنبياء الذي جمع في نفسه الجمال والكمال الإنساني كله.
من غير المعقول أن يفكر أي إنسان في الانتحار لمجرد انقطاع بعض  الرؤى عنه، فكيف بالنبي الذي كان يعرف أنه يتلقى وحيا وأن انقطاعه عنه يحتمل أكثر من سبب. إن هذا هو ما يجعلنا نشك في نوايا البخاري من رواية هذا الحديث وما يشبهه. فعندما تكثر الأحاديث المسيئة، لن يكون بإمكان الباحث إلا أن يطرح التساؤل المناسب عن مغزى ذلك.

اتهام النبي بالتعرض للسحر

روى البخاري في صحيحه الحديث رقم 3268 عن عَائِشَةَ أنها قَالَتْ: "سُحِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ، حَتَّى كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ دَعَا، وَدَعَا ثُمَّ قَالَ: أَشَعَرْتِ أَنَّ اللَّهَ أَفْتَانِي فِيمَا فِيهِ شِفَائِي؟ أَتَانِي رَجُلانِ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ؟ قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ. قَالَ: فِيمَا ذَا؟ قَالَ: فِي مُشُطٍ وَمُشَاقَةٍ وَجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ. قَالَ فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ. فَخَرَجَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لِعَائِشَةَ حِينَ رَجَعَ: نَخْلُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ. فَقُلْتُ: اسْتَخْرَجْتَهُ؟ فَقَالَ: لا، أَمَّا أَنَا فَقَدْ شَفَانِي اللَّهُ، وَخَشِيتُ أَنْ يُثِيرَ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا، ثُمَّ دُفِنَتْ الْبِئْرُ".
هذا الحديث يقول إن النبي تعرض للسحر وأثّر في قدراته العقلية إلى درجة أنه أصبح يتوهم فعل أشياء لم يفعلها. وهذا يعني مباشرة الشك في سلامة الرسالة. فما يقوله أو يفعله وهو مسحور لا يمكن الأخذ به. بل إن كل ما جاء به يصبح موضع شك لأنه من الممكن أن يكون النبي يعاني السحر منذ نزول الوحي عليه لأول مرة.
ليس مستبعدا أن يكون اليهود قد حاولوا سحر النبي ص. لكن المؤكد أنهم فشلوا. فما لا يمكن قبوله هو تأثّر النبي به، لأن الأنبياء لديهم ما يكفي من الحصانة الذاتية التي تمنع تأثرهم بالسحر. وقد أنكر القرآن الكريم تأثر النبي بالسحر واعتبر القائلين بذلك ظالمين: "وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا". الفرقان، 8.

اتهام النبي بالهذيان

حديث الهجر أو الهذيان لم يتفرد به البخاري بل إننا نجده في لدى أكثر المحدثين السّنّة. والذين اتهموا النبيّ بالهجر هم بعض "الصّحابة". والتدقيق في إطلاق تلك التهمة ضد النبي يوصل إلى نتيجة تقول إن الهدف كان منع النبي من إلقاء وصيته الأخيرة.
تقول الرواية عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: "يوم الخميس وما يوم الخميس ثم بكى حتى خضب دمعه الحصباء، فقال: اشتد برسول الله (ص) وجعه يوم الخميس فقال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع فقالوا: هجر رسول الله (ص)، قال: دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه، وأوصى عند موته بثلاث أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ونسيت الثالثة ".
وتؤكد روايات مشابهة أن من اطلق تهمة الهجر او الهذيان ضد النبي هو عمر بن الخطاب لمنع النبي من الوصية. ولا شك أن تلك الوصية كانت تريد إغلاق الباب أمام مخططات كانت تريد الاستيلاء على السلطة بعد النبي ص. لكن عمر واجه ذلك باتهام النبي بالهذيان. إن الخطورة تكمن في التهمة في حد ذاتها، لأن إثبات الهجر في حق النبي يعني أن ما يقوله ليس كله حق وأنه مشوب ببعض الهذيان الذي يعني الكلام الذي لا معنى له أو لا طائل منه.
وقد يقال إن البخاري هنا هو مجرد ناقل. والحقيقة إنه كذلك. وهذا النقل لا يكشف موقف البخاري من النبي بقدر ما يكشف المصالح الضيقة التي كان يفكر من خلالها بعض "الصحابة".

اتهام النبي بتعذيب الناس

في "الجامع الصحيح"، كتاب الجهاد والسير، باب إذا حرق المشرك المسلم هل يحرق، الحديث 2855، عن أنس بن مالك "أن رهطاً من عكل ثمانية قدموا على النبي (ص) فاجتووا المدينة فقالوا: يا رسول الله ابغينا رسلاً قال: ما أجد لكم إلا أن تلحقوا بالذود فانطلقوا فشربوا من أبوالها وألبانها حتى صحوا وسمنوا وقتلوا الراعي واستاقوا الذود وكفروا بعد إسلامهم فأتى الصريخ النبي (ص) فبعث الطلب فما ترجل النهار حتى أتي بهم فقطّع أيديهم وأرجلهم ، ثم أمر بمسامير فأحميت فكحلهم بها وطرحهم بالحرة يستسقون فما يسقون حتى ماتوا، قال أبو قلابة: قتلوا وسرقوا وحاربوا الله ورسوله (ص) وسعوا في الأرض فساداً".
إن هؤلاء الاشخاص قتلوا الراعي بحسب الرواية والعقوبة العادلة قتلهم ما لم يعف أولياء الدم. وتنتهي المسألة. لكن البخاري يدعي أن النبي أرسل من قطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وطرحهم تحت الشمس عطشى ينزفون إلى أن ماتوا.
لا يوجد ما يؤكد أن الحادثة في أصلها وقعت أو أن من أرسله النبي تصرف وفق أوامره. وهذا يعني أن البخاري وكل من روى هذه القصة لم يلاحظ هذه البشاعة التي تتضمنها الرواية والتي لا يمكن أن تصدر عن النبي ص الموصوف بالرحمة في القرآن، أو أنه لاحظ وتعمد إثباتها لأهداف يعلمها الله ويعلمها البخاري وبقية الرّواة.
مشكلة البخاري مزدوجة. فهو يروي أحاديث ذات مضامين مسيئة لشخص النبي. روايات تختلق قصصا أو تزورها. وهو أيضا يروي عن أشخاص لا يستحقون الثقة فيما يروونه بسبب فسادهم الشخصي أو بسبب سوء ضبطهم للحديث. وقد كفانا الإمام علي مؤونة البحث في حقيقة هؤلاء فقال: "ألا إنّ أكذب الناس، أو قال: أكذب الأحياء - على رسول الله، صلّى الله عليه وآله، أبو هريرة الدوسي". [شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد، ج 4، فصل 56، ص68]. وعن الإمام جعفر بن محمّد، عليه السلام، أنّه قال: "ثلاثة كانوا يكذبون على رسول الله، صلّى الله عليه وآله وسلّم: أبو هريرة، وأنس بن مالك، وامرأة". [الصدوق، الخصال، ص 190، الحديث 263]..

ولا توجد إلا امرأة واحدة تروي بكثرة وتنسب رواياتها للرسول. وهؤلاء الثلاثة هم أكثر من يروي عنهم البخاري.