الاثنين، 17 يوليو 2017

عملية القدس وصفقة القرن







قاسم شعيب



حين استولت الحكومة الصهيونية على مفاتيح القدس سنة 1969، قالت رئيسة الوزراء حينها غولدا مائير إنها لم تنم ليلتها وكانت تنتظر أن ترى الجيوش العربية على أبواب فلسطين، لكن بعد أن مر الأمر دون أية ردة فعل وكأن شيئا لم يكن، قالت "نستطيع أن نفعل أي شيء".

واليوم تؤكد الأنظمة والحكومات العربية ظن غولدا مائير فيها، وتكشف ردة فعلها ما كانت تخفيه لعقود متتالية. لم يعد هناك محل للخجل بعد أن أصبح حتى مجرد التنديد بما يفعله المحتل الإسرائيلي في القدس بشكل خاص شيئا من الماضي. والاستهجان الفلسطيني لهذا الموقف يكاد يصل إلى حد الغرابة، إذ ماذا يمكن للفلسطينيين أن ينتظروا من هذه الأنظمة؟..

بل إننا نرى اليوم انضمام حركات وأحزاب ظن كثيرون لعقود طويلة أنها كانت صادقة في دفاعها عن قضايا الناس والأمة، ومنها قضية فلسطين والقدس. لقد صمتت، مثلا، حركة النهضة في تونس. ولم نر زعيمها الذي تعوّد إصدار البيانات باسمها في كل مناسبة كتَب بيانا أو قال شيئا عن عملية القدس ثم إغلاق المسجد بعد ذلك. بل إن زعيم الحركة راشد الغنوشي بدأ يدعو إلى منح الفلسطينيين حق المواطنة لأن ذلك كفيل بخلق دولة ديمقراطية يعيش في الفلسطينيون والإسرائيليون جنبا إلى جنب كما نقل عنه رئيس حزب البناء رياض الشعيبي. وهو ما يمثل تنازلا كاملا عن فكرة الدولة الفلسطينية الحرة على أرض فلسطين التاريخية والتي لا حق فيها للصهاينة الأغراب.

لا يجب أن يُبَرَّر ذلك الصمت بانشغال العرب بمشاكلهم الداخلية وحالة الخذلان الواسعة التي تسود واقعهم. بل إن ذلك يجب ربطه بما يتم إعداده لهذه المنطقة فيما أصبح يعرف بصفقة القرن. ليس صحيحا أن الحكومات والأحزاب العربية كلها مشغولة بأوضاعها الداخلية، ذلك إن موقفا سياسيا مما يحدث في القدس لا يكلف شيئا لولا وجود اتفاقات مسبقة تقضي بالتزام الصمت إزاء الخطوات الصهيونية التي لن يكون إغلاق مسجد قبة الصخرة سوى مقدمة لها. زار الرئيس الأمريكي الرياض قبل شهرين وعقد صفقات ضخمة لم تتوقف عند بيع السلاح وعقود الاستثمار، بل تجاوزتها إلى صفقات سياسة بحضور 50 حاكما "عربيا" و"مسلما"، هي الأسوأ والأخطر على المستقبل القريب للمنطقة.

ما رشح عن تلك الاتفاقات والصفقات السياسية يؤكد التوجه الكامل نحو تطبيع سياسي وثقافي واقتصادي علني تقوده المملكة السعودية، والهجوم على الفلسطينيين في غزة والقطاع بمشاركة عربية رسمية لترحيلهم نحو سيناء والأردن ومناطق أخرى تمهيدا لتمدد الكيان الغاصب حسب ما هو مخطط له.

عملية القدس التي نفذها الشهداء جبارين أبناء مدينة أم الفحم داخل فلسطين المحتلة عام 48 جاءت في وقتها لتكون ردا أوليا، ولتؤكد أن القدس لا تزال حية في ضمير كل فلسطيني وعربي ومسلم حر مثل أي بقعة أرض فلسطينية أخرى. لم تتبنّ أية منظمة العملية، غير أنها لا تبدو عملا منفردا قرّره الشبّان الثلاثة انتقاما لممارسات المحتل الظالمة ضد الشعب الفلسطيني. وقد تعكس تنسيقا داخليا وخارجيا بين الكتلة المقاومة التي لا ترى طريقا أخرى لتحرير الأرض غير القوة..

لقد أرادت القوى المهينة في هذا العالم استغلال الاختلافات المذهبية والطائفية والدينية والعرقية لإثارة الفتن والصراعات بين المسلمين والمسيحيين، العرب وغير العرب، السنّة والشيعة.. وحتى بين السنّة في داخلهم كما نرى اليوم ما يحدث بين السعوديين ومن معهم والقطريين وداعميهم.. علينا أن نعترف أنهم نجحوا في ذلك إلى حد كبير، ليس لأنهم أذكياء وأقوياء، ولكن لأن بيننا أغبياء ومرتزقة سهّلوا لهم ذلك ونفّذوا ما طُلب منهم. لقد سبق لوزير الدفاع الصهيوني السابق موشي يعلون أن تحدث عن تغييرات في الاستراتيجية الإسرائيلية تقضي بجعل العرب والمسلمين يتقاتلون فيما بينهم من خلال خلق عصابات قتل وإجرام باسم الدين في إشارة إلى داعش وما شابهها..

ولا يمكن إفشال هذه المخططات الماكرة دون نقل المعركة الى أرض العدو، وتكثيف الضربات ضد الأهداف الاسرائيلية، لأن ذلك هو الأسلوب الكفيل بتوحيد الأمة الممزقة مرة أخرى وراء الهدف الكبير. لقد عمل الغرب والصهاينة الذين يحكمونه على استبدال العدو الرئيسي المشترك للعرب والمسلمين بأعداء وهميين من خلال وكلائهم في المنطقة ومن خلال الماكينة الإعلامية الضخمة التي صوّرت العدو صديق والشقيق عدو.. والانسياق وراء ذلك ليس إلا خدمة لمشاريعهم.
تكمن أهمية عملية القدس في نتائجها. لقد فضحت لأول مرة تجّار القضية، وحدّدت من يقف إلى جانب الشعب الفلسطيني ومن يعمل ضدّه. وهي لذلك لابد أن تؤسس لاصطفافات جديدة على قاعدة الموقف المبدئي المتعالي على أية نزعات غرائزية طائفية أو إثنية أو سوقية. 


الخميس، 6 يوليو 2017

السدومية والشذوذ ثقافة يهودية متأصلة.. يُراد تعميمها







قاسم شعيب


كانت السدومية، أو الشذوذ الجنسي الذي يعرف بـ"اللواط"، ولا تزال، جزءا أصيلا من التاريخ والثقافة اليهوديين، وكانت شائعة بعمق داخل المعابد، بين الكهنة والحاخامات.

وعندما نعود إلى ﺍﻟﺘﺮﺍﺙ ﺍﻟﻘﺒﺎﻟﻲ، وهو نزعة صوفية يهودية، نجد أﻥ الإﻟﻪ ﻭالإ‌ﻧﺴﺎﻥ ﻣﻜﻮﻧﺎﻥ ﻣﻦ ﻋﻨﺎﺻﺮ ﺫﻛﻮﺭية ﻭأﻧﺛوية ﻣﺨﺘﻠطة. ﻭﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﺼﻮّﺭ ﺍﻟﺤﻠﻮﻟﻲ ﻛﺎﻥ ﻟﻪ تأثيره الكبير على ﺷﺮعنة ﺍﻟﺸﺬﻭﺫ ﺍﻟﺠﻨﺴﻲ والسدومية ﻓﻲ ﺍﻟﻴﻬﻮﺩية. بل إن بعضهم يرى أﻥ ﺍﻟﺸﺬﻭﺫ ﺍﻟﺠﻨﺴﻲ هو أﺣﺪ ﺳﻤﺎﺕ ﺍﻟﻤاشيح اليهودي ﺍﻟﻤﻨﺘﻈﺮ، عل أساس عقيدتهم في "ﺍﻟﺼﻌﻮﺩ ﻣﻦ ﺧﻼ‌ﻝ ﺍﻟﻬﺒﻮﻁ". ﻭﻫﻮ ﺍﺗﺠﺎﻩ إﺑﺎﺣﻲ ﺗﺮﺧﻴﺼﻲ ﻳﺆﺻﻞ ﻟﻔﻜﺮة تقول إن الإنسان كلما ﺍﺯﺩﺍﺩ ﺍﻧﺤﻼ‌ﻻ‌ أصبح أكثر سموا، وكلما اقترب أكثر من الإله كلما أمكنه التخلي عن الشرائع. 

ولعل ﻇﺎﻫﺮة ﺷﺒﺘﺎﻱ ﺗﺴﻔﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﺍﺩّعى أﻧﻪ ﺍلماشيح ﺍﻟﻤﻨﺘﻈﺮ، تجسيد واضح لهذه العقيدة. فقد طاف البلدان ﻭﺗﺤﺮﻛﺖ ﻣﻌﻪ ﻗﻠﻮﺏ ﺍﻟﻴﻬﻮﺩ ﻓﻲ ﻛﻞ أﻧﺤﺎﺀ ﺍلأ‌ﺭﺽ، ﻭﺍﺳﺘﻌﺪﺕ ﺍﻟﻌﺎﺋﻼ‌ﺕ ﺍﻟﻴﻬﻮﺩية ﻟﻠﻌﻮﺩة إلى أﺭﺽ ﺍﻟﻤﻴﻌﺎﺩ ﺣﻴﺚ أﺳﻘﻂ ﺗﺴﻔﻲ ﺍﻟﺸﺮﺍﺋﻊ ﻭﺍﻧﻐﻤﺲ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻠﺬﺍﺕ، ﻭﻇﻬﺮﺕ ﻋﻨﺪﻩ ﻣﻴﻮلات سدومية وشاذة. ﻭﻫذا الشخص هو ﻣﺆﺳﺲ ﺍﻟﺤﺮكة ﺍﻟﺸﺒﺘﺎنية ﺍﻟﺘﻲ أﻓﺮﺯﺕ ﻳﻬﻮﺩ ﺍﻟﺪﻭنمة، وﻛﺎﻧﺖ ﺍﻟﺤﺮكة ﺍﻟﺼﻬﻴﻮنية ﺍﻣﺘﺪﺍﺩا ﻟﻬﺎ .ﻭﻗﺪ ﻭﺭﺛﺖ ﺍﻟﺤﺮكة ﺍﻟﺤﺴﻴﺪية ﻣﻌﻈﻢ ﻫﺬﻩ ﺍﻻ‌ﺗﺠﺎﻫﺎﺕ الإﺑﺎحية ﻭﻧﺎﺩﺕ ﺑﻤﺎ أﺳﻤﺘﻪ "ﺍﻟﺨﻼ‌ﺹ ﺑﺎﻟﺠﺴﺪ" على أساس الأﻓﻜﺎﺭ ﻭﺍﻟﻤﻌﺘﻘﺪﺍﺕ ﺍﻟﺴﺎبقة ذاتها.

 واليوم تضم تل أبيب أكبر عدد من الشواذ في العالم، حتى باتت تسمى "المدينة الوردية" أو "شاطيء قوس قزح" نسبة إلى ألوان العَلَم الذي يتخذه الشواذ شعارا لهم. ويحاول نشطاء مثليون تقديم تأويلات جديدة للتاناخ أو التوراة، كتاب اليهود المقدس، لإقناعهم بالتعايش مع الشواذ.
وفي دراسة أجراها المؤرخ اليهودي يارون بن نائيه، أكد أن الشذوذ كان منتشرا جدا بين أبناء الطائفة اليهودية زمن الإمبراطورية العثمانية، وهناك عشرات الدلائل التي تؤكد أن المجتمع اليهودي لم يكن يَنْظر، في أي وقت من الاوقات، بسلبية إلى الشذوذ الجنسي.

ويقول ليفني إن المثلية الجنسية هي مجرد عادات غربية جلبها اليهود الأشكناز القادمون من الدول الأوروبية إلى فلسطين المحتلة والتي تعتبر جزءا من تقاليد الأنجلو ساكسونية. واليوم يتم النظر إلى مثليي الجنس فى دولة الصهاينة في فلسطين على نحو عادى، وتسمح هذه الدولة الغاصبة للشواذ فيها وفي جميع أنحاء العالم، كل صيف، بالخروج فى مسيرات تبدأ من مدينة تل أبيب وتنتهى بمدينة القدس.

وهي لا تمانع من مشاركة الشواذ فى الخدمة العسكرية، حيث ذكر تقرير نشر بالقناة الثانية بالتلفزيون الإسرائيلي أن الجيش دفع بجنود شواذ خلال الحرب الأخيرة على غزة. فقد تم منذ سنة 1988 إلغاء القانون الذي يحظر الشذوذ في دولة الاحتلال، بعد صدور حكم قضائي حصلت عليه جمعية "حقوق المواطن" وجمعية "هلهطاب". وبذلك سُمح لمثليي الجنس بالزواج العرفي وتبني الأولاد من قبل الأزواج المثليين. ﻭﻗﺪ ﻋﻘﺪ حاخام يهودي أﻭﻝ ﺯﻭﺍﺝ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺸﻮﺍﺫ ﺟﻨﺴﻴﺎ ﻓﻲ إﺳﺮﺍﺋﻴﻞ ﻋﺎﻡ 1998.

وخلال القرن الماضي أثبت المفكرون اليهود أن المثلية الجنسية جزء لا يتجزّأ من تاريخ الشعب اليهودي والتقاليد اليهودية القديمة باستثناء هانز يواكيم المؤرخ اليهودي واللاهوتي وزعيم حركة الشباب اليهودي الألماني، الذي يرى أنها وباء على إسرائيل والمنطقة وقاد حملة لحظرها في المجتمعات اليهودية في فترة السبعينات دعمها عضو البرلمان ليفني ليتم إلغائها.

حافظ اليهود على علاقات سدومية شاذة بين الذكور. وكانت العلاقات الجنسية المثلية الشاذة شائعة إلى حد كبير، تدل على ذلك عشرات المصادر. وحتى في العصر الحديث لم يكن هذا السلوك سلبياً بين أبناء المجتمع اليهودي. وفي العقود الأخيرة، عاش اليهود المثليين والمثليات بشكل عادي في المجتمع اليهودي وهو الأمر الذي لم يرفضه الحاخامات "الوسطيون" والليبراليون.

وفي كتاب المؤرخ اليهودي لانجر الذي صدر بعنوان "الحب الأخوي" أي حب الرجل للرجل، عام 1932، وصف حب الذكور لبعضهم بعضا بالحب "الأعمق" معتبرا إياه الرغبة الأساسية في الديانة اليهودية، على أساس الوصية الشائعة "محبتك لأخيك الإنسان كمحبتك لنفسك". ويرى لانجر أن حب الذكر للذكر ينتصر على مر الأجيال لأنه حب حقيقي لا يرتبط بالرغبة في العلاقات الجنسية فقط. أما النداءات المستمرة لحظره فتدل على أنه أمر شائع بين اليهود.

وعلى هذا النحو، ﺍﻧﺘﺸﺮﺕ ﺍﻟﻤﻤﺎﺭﺳﺎﺕ ﺍلجنسية ﺍﻟﺸﺎﺫة ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻴﻬﻮﺩ عبر التاريخ. ويمكننا أن نرصد كيف كان اليهود ﺍﻟﺴﻔﺎﺭﺩ، ﻗﺒﻞ ﺍﻟﻄﺮﺩ ﻣﻦ أﺳﺒﺎﻧﻴﺎ، وبعده، موصوفين بالشذوذ ﺣﺘﻲ أﻥ ﻛﻠﻤﺘﻲ ﻳﻬﻮﺩﻱ ﻭﺷﺎﺫ ﺟﻨﺴﻴﺎ ﻛﺎﻧﺘﺎ ﻣﺘﺮﺍﺩﻓﺘﻴﻦ ﻓﻲ ﺷﺒﻪ ﺟﺰﻳﺮة إﻳﺒﻴﺮﻳﺎ .

ولأجل ذلك ليس غريبا أن يكون ﻣﺎﺟﻮﻧﻮﺱ ﻫﻴﺮﺷﻔﻴﻠﺪ ﻭﻣﺴﺎﻋﺪﻩ ﻛﻮﺭﺕ ﻫﻴﻠﺮ، ﻭﻛﻼ‌ﻫﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﻳﻬﻮﺩﻳﺎ، هما المؤسسان لأول جماعة ﻟﻠﺸﻮﺍﺫ ﺟﻨﺴﻴﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﺬﻛﻮﺭ. بينما ﻛﺎﻥ ﻫﻴﻠﺮ أﻭﻝ ﻣﻦ ﻃﺎﻟﺐ ﺑﺎﻋﺘﺒﺎﺭ ﺍﻟﺸﻮﺍﺫ ﺟﻨﺴﻴﺎ أقلية ﻻ‌ﺑﺪ ﻣﻦ ﺣﻤﺎية ﺣﻘﻮﻗﻬﺎ .

كان الشذوذ الجنسي والسدومية المثلية ممارسة موجودة في كافة المجتمعات. وكانت المجتمعات على اختلاف ثقافاتها تجَرِّم هذه الممارسة. غير أن الجديد الذي يريد اليهود الحاكمون في العالم اليوم تعميمه، من خلال شركاتهم الضخمة ونواديهم المعلنة والخفية وسلطتهم على مختلف الأنظمة والحكومات، هو تحويل الشذوذ إلى سلوك قانوني ومشروع تماما ليصبح الزواج المثلي شيئا طبيعيا يتم التنظير له وتبريره من خلال الإعلام والسينما والموسيقى والأعمال الفنية المختلفة.. ولا شك أن هذا الأمر لا هدف من وراءه سوى تدمير الأسرة وتخريب العلاقات الجنسية الطبيعية بين الرجل والمرأة من خلال مؤسسة الزواج، وتعميم هذا السلوك الشاذ في العالم وصولا إلى تدمير أهم قيمة إنسانية وهي قيمة الحياة حيث لا تناسل بين شواذ..