السبت، 6 يونيو 2026

«السوشي باللبلابي»: حين يغتال الهجين الفكريّ عقولنا







قاسم شعيب

تغصُّ منصات النقاش العربية اليوم بـ«محللين» يرتدون أقنعة متناقضة، حيث يطلُّ علينا أحدهم بوقارِ الواقعيِّ المُنحدر من مدارس ميرشايمر أو ستيفن والت، ليحدثنا بلغة القوة والمصلحة والمساحات الجيوسياسية الباردة، ثم سرعان ما يقلب الطاولة على نفسه ليحاول تطعيم تحليله بـ«السردية»، ذلك المفهوم الذي خرج من رحم التفكيكية والتشكيك في جوهر الحقيقة ذاته.

إن هذا المزيج الغريب يشبه في جوهره محاولة جمع «السوشي» الياباني بـ«اللبلابي» العربي في طبق واحد، مع ادعاءٍ فجٍّ بأن هذا الخليط هو قمة الأصالة الفكرية. والحقيقة أننا أمام أزمة معرفية خانقة لا تكتفي باستيراد المفاهيم، بل تعيد صياغتها بطريقة مشوهة تفتقر لأبسط قواعد الاتساق المنطقي. إن المدرسة الواقعية التي يتغنى بها هؤلاء –بمدارسها الكلاسيكية أو البنيوية التي وضع لبناتها «كينيث والتز» وأرسى دعائمها رموز مثل «هانس مورغنتو»– تقوم على مادية صارمة تفترض وجود عالم صلب من الدول والقوى التي تتحرك وفق قوانين فيزيائية تقريباً، حيث السردية مجرد أداة ثانوية لا قيمة لها في ميزان القوة المادي. في المقابل، يرتكز مفهوم السردية عند دريدا وفوكو على هدم هذه الحقيقة الموضوعية برمتها، معتبرين أن الواقع ما هو إلا بناء لغوي خاضع لتوازنات السلطة.

 وعندما يجمع «المثقف» العربي بين هذين النقيضين في سطر واحد، فإنه لا يمارس عملاً تحليلياً، بل يمارس «أدلجةً للواقعية» تهدف لتغليف الفقر المعرفي بمسحة من الغموض الفلسفي. هذا التلفيق المفاهيمي ليس مجرد خطأ منهجي عابر، بل هو نتيجة لهروب المثقف من التزاماته التحليلية؛ فهو يخشى برود الواقعية القاتل، ويضيق ذرعاً بتعقيدات التفكيكية المرهقة، فيقرر اللجوء إلى «الخلاط الفكري» ليصنع خطاباً شعبوياً يرضي الجمهور بكلمات تبدو براقة دون أن تحمل أي عمق حقيقي. 

 إن الخطر لا يكمن في استيراد النظريات، بل في غياب القدرة على فهم سياقاتها، مما يجعل العقل العربي في حالة من التيه المفاهيمي المستمر، حيث تضيع الحقائق المادية تحت ركام السرديات الملفقة، وتتلاشى السرديات الثقافية أمام تعسف النظرة الواقعية المبتسرة. وبدلاً من أن نكون منتجين للمعرفة، تحولنا إلى مستهلكين سريعين لمصطلحات لم نهضمها، فخرج لنا خطابٌ لا هو بالواقعيِّ الصادقِ مع أرقامه، ولا هو بالناقدِ البصيرِ بجذور لغته، بل هو خطابٌ هجينٌ يتقن فن التخفي خلف أسماء الآخرين ليخفي عجزاً عن التفكير الأصيل في قضايا أمتنا التي لا تزال تنتظر من يصحح لها المسار، بعين «العارف الحكيم»، لا بعين «الطباخ» الذي يفسد المذاق بخلط المتناقضات.


ملامح "حرب دينية": كيف يبرر لاهوت التوراة وفتاوى الخاخامات خريطة الدم في المنطقة؟

 





قاسم شعيب

 لم تعد الحرب الإسرائيلية الدائرة في غزة ولبنان وايران والمنطقة مجرد صراع أمني على الحدود أو رد فعل عسكري عابر، بل تحولت في كواليس القرار السياسي والعسكري الإسرائيلي إلى "معركة خلاصية" تحركها نبوءات العهد القديم وتديرها فتاوى دينية متطرفة. هذا التحول اللغوي والعقائدي لم يعد حبيس المدارس الدينية، بل بات المرجعية الأولى التي يتردد صداها على ألسنة كبار القادة والسياسيين.

منذ الأيام الأولى للحرب، كان لافتاً لجوء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى استدعاء النصوص التوراتية علناً لتوجيه دفة الرأي العام الداخلي وحث الجنود على القتال. في أكثر من خطاب، استشهد نتنياهو بسفر التثنية قائلاً للجنود: "اِذْكُرْ مَا فَعَلَهُ بِكَ عَمَالِيقُ". في المفهوم اللاهوتي اليهودي، تعني هذه التسمية إبادة الأعداء كلياً دون استثناء النساء أو الأطفال أو حتى الماشية. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل اعتبر نتنياهو الحرب الحالية تحقيقاً لنبوءة "إشعياء" حول انتصار النور على الظلام.

هذا التوظيف السياسي للدين لم يكن معزولاً؛ إذ منحت الفتاوى الصادرة عن كبار الخاخامات الضوء الأخضر للجيش لارتكاب المجازر دون وازع أخلاقي. ولعل الفتوى الأكثر إثارة للجدل هي تلك التي أطلقها الحاخام إلياهو مالي، رئيس المدرسة الدينية "شيرات موشيه"، والتي دعا فيها صراحة إلى "قتل الجميع في غزة، بما في ذلك النساء والأطفال". وبرر ذلك بعبارة تلخص عقلية الإبادة: "أطفال اليوم هم مخربو الغد"، مستنداً إلى الشريعة اليهودية (الهالاخاه) التي تصنف المعركة كـ "حرب دينية فرعونية".

وفي داخل صفوف الجيش، وزعت الحاخامية العسكرية كتيبات إرشادية تفيد بأن "الثقة بالعربي غير جائزة في أي ظرف"، مبررة قتل المدنيين بذريعة "حماية سلامة القوات"، في حين يرى تيار الصهيونية الدينية الذي يمثله وزراء مثل سموتريتش وبن غفير، أن هذا الصراع هو واجب إلهي لتطهير الأرض تمهيداً لبناء "الهيكل الثالث" وتسريع خروج المسيخ المنتظر.

تتحرك الماكينة العسكرية الإسرائيلية ضمن مسارين من الأهداف: أحدهما معلن للاستهلاك الدولي، والآخر استراتيجي ديني تطبقه الحكومة على الأرض.

الأول هو الأهداف المعلنة كما هو الغطاء السياسي والأمني، حيث تتمسك تل أبيب بالرواية الأمنية أمام المجتمع الدولي، وتتلخص أهدافها في تفكيك القدرات العسكرية والسياسية للمحيط من دول وحركات مقاومة كما هي حركة حماس في قطاع غزة، وأجزاء من سوريا من الجنوب والشرق، وحزب الله على الجبهة الشمالية، حيث تسعى إلى إبعاد حزب الله إلى شمال نهر الليطاني لإعادة المستوطنين إلى مناطقهم.

والثاني، الأهداف غير المعلنة كما هي الجغرافيا والديمغرافيا التوراتية. فخلف الشعارات الأمنية، تكشف الممارسات على الأرض عن رغبة حقيقية في إعادة هندسة المنطقة.

والثالث، التطهير الديمغرافي من خلال تحويل غزة وجنوب لبنان إلى مناطق غير صالحة للحياة عبر سياسة الأرض المحروقة، لدفع السكان نحو التهجير القسري.

والرابع، إعادة الاستيطان البنيوي، حيث يسعى اليمين المتطرف بشكل علني لإعادة بناء المستوطنات داخل غزة، وبسط السيادة اليهودية الكاملة من النهر إلى البحر.

والخامس، تغيير خارطة الشرق الأوسط: استغلال الدعم الدولي لكسر النفوذ الإيراني بالكامل وتفكيك محور المقاومة، بهدف تحقيق الهيمنة المطلقة لما يُعرف في الفكر العقائدي بـ "إسرائيل الكبرى".

إن دمج العقيدة الغيبية بالآلة العسكرية الحديثة يحول الصراع في المنطقة من احتلال غاشم تتم مقاومته بالوسائل المتاحة، إلى حرب وجودية صفرية تغذيها فتاوى لا ترى في الطرف الآخر سوى عقبة يجب إزالتها من طريق "الوعد الإلهي".. وحينها لا مفر لقوى المقاومة من خوض معركة من الجنس نفسه. فكما أن لليهود وعدا، فإن للمسلمين وعد أيضا هو بلا شك الأصدق والأوفى.


الأحد، 31 مايو 2026

وهم الهيمنة. هل تبتلع إسرائيل نفسها في فخ التمدد الانتحاري؟



قاسم شعيب  








في الوقت الذي تغرق فيه تل أبيب في أطول وأعقد حروبها جبهةً واستنزافاً، متنقلة بين ركام قطاع غزة، وحرائق جنوب لبنان، والضربات المتبادلة مع إيران، يفاجئنا الخطاب السياسي والإعلامي الصهيوني بقفزة بهلوانية نحو المستقبل. لم يعد الحديث داخل أروقة اليمين الحاكم والنخب الاستراتيجية الإسرائيلية يدور حول كيفية إنهاء هذه الجبهات المفتوحة، بل باتوا يتحدثون بنبرة استعلائية واثقة عما يسمونها "الحرب القادمة مع مصر وتركيا"، وكأنهم فرغوا للتو من ترتيب خارطة الشرق الأوسط وإعلان النصر المطلق!
هذه الظاهرة لا يمكن قراءتها كجزء من التخطيط العسكري العقلاني، بل هي تجلٍّ صارخ لما يطلق عليه في علم النفس السياسي غطرسة القوة Hubris. إنها حالة الانفصال عن الواقع التي تصيب القوى الاستعمارية عندما تصاب بعمى الألوان السياسي، وتتوهم أن التفوق التكنولوجي المؤقت والدعم الغربي الأعمى يمنحانها صكاً مفتوحاً لتهديد السلم الإقليمي بلا حدود.
ينبع هذا "الانتفاخ" الإسرائيلي من قراءة مشوهة لموازين القوى. ترى تل أبيب أن قدرتها على تجاوز الخطوط الحمراء، وضرب القوانين الدولية بعرض الحائط في غزة ولبنان دون الرضوخ لعقوبات حقيقية من واشنطن أو العواصم الأوروبية، هو دليل قاطع على هيمنتها المطلقة ليس في الشرق الأوسط فحسب، بل داخل مراكز القرار في الغرب عبر جماعات الضغط واللوبيات.
هذا الشعور بالحفاوة السياسية الغربية ولد عقيدة "الهروب إلى الأمام". وبدلاً من البحث من الاعتراف بالعجز في مواجهة إيران وحلفتئها، يندفع اليمين الصهيوني الفاشي نحو تبني أيديولوجيا "الجدار الحديدي" في نسختها الأكثر تطرفاً: الأمن لا يتحقق بالسلام، بل بسحق أي قوة إقليمية يمكن أن تشكل تهديداً مستقبلياً، حتى لو كانت ترتبط معها باتفاقيات سلام كمصر، أو علاقات تجارية ودبلوماسية كتركيا.
لكن خلف هذا الضجيج الإعلامي والتهديدات الجوفاء، يقبع واقع عسكري واقتصادي مأزوم. إن فتح جبهات افتراضية أو التحرش اللفظي بدول بحجم مصر بثقلها البشري وجيشها النظامي القوي أو تركيا بترسانتها العسكرية وعضويتها في حلف الناتو هو ما يمكن تسميته بـالانتحار الاستراتيجي.
فالجيش الإسرائيلي يعاني اليوم من استنزاف حاد في عنصره البشري، وأزمة ذخائر، وتراجع اقتصادي حاد انعكس على مستوى المعيشة ومعدلات الهجرة العكسية. إسرائيل لا تمتلك المقومات الذاتية لخوض حرب نظامية طويلة الأمد مع دول ذات عمق استراتيجي، وأي مغامرة من هذا القبيل تعني نهاية الرفاه الإسرائيلي إلى الأبد.
يعلمنا التاريخ أن القوى الفاشية عندما تصل إلى ذروة انتفاخها، تبدأ جدرانها الداخلية بالتآكل. وهذا السيناريو هو الأقرب للمشهد الإسرائيلي اليوم، حيث يقود هذا التمدد الزائد إلى انفجار داخلي حتمي عبر مسارين:
أولاً: تآكل العقد الاجتماعي: فالحرب المستمرة دون أفق تزيد من حدة الشرخ بين العلمانيين الذين يدفعون ضريبة الدم والاقتصاد، وبين "الحريديم" المتشددين الذين يرفضون القتال ويسيطرون على القرار).
ثانياً: عمى القيادة: عندما تصبح القرارات السياسية مدفوعة بأيديولوجيا خلاصية دينية، تسقط الحسابات البراغماتية، وتتحول القيادة إلى أداة تدمير ذاتي تقود مجتمعها نحو الهاوية وهي تظن أنها تصنع المجد.
تشبه إسرائيل اليوم بالوناً يتسع بشكل مرعب بفعل الهواء الخارجي (الدعم الأمريكي والنشوة العسكرية المؤقتة). لكن القوانين الفيزيائية والسياسية ثابتة: كلما اتسع البالون، رقت جدرانه واقترب من لحظة الانفجار. الحديث عن حروب ضد مصر وتركيا ليس علامة قوة، بل هو ذروة "التمدد الإمبراطوري الزائد Overstretchالذي لطالما كان عبر التاريخ، الخطوة الأولى والأساسية في خطة الفناء الذاتي القوى المنتفخة.


السبت، 30 مايو 2026

ماوراء الانكفاء الأمريكي عن الناتو: خطة واشنطن لرفع الحماية عن أنقرة وإطلاق يد إسرائيل

 



ماوراء الانكفاء الأمريكي عن الناتو: خطة واشنطن لرفع الحماية عن أنقرة وإطلاق يد إسرائيل

قاسم شعيب

شهدت الأروقة السياسية والاستراتيجية مؤخراً تصاعداً لافتاً في وتيرة النقاشات حول مستقبل حلف شمال الأطلسي "الناتو"، في ظل التوجهات الأمريكية المتزايدة نحو تقليص الدور العسكري في أوروبا أو التلويح بالانسحاب الكامل من المعاهدة. هذا التوجه، الذي بدأ يتبلور بشكل عملي من خلال سحب مئات الجنود الاستراتيجيين من مراكز التخطيط الأوروبية ووضع سقف زمني لتقاسم الأعباء بحلول عام 2027، لا ينفصل في أبعاده العميقة عن التحولات المتسارعة في الشرق الأوسط، وتحديداً التوتر المتنامي والتهديدات المتبادلة بين إسرائيل وتركيا. وتكشف هذه الديناميكية المشتركة عن إعادة تموضع استراتيجي تقوده واشنطن للتحرر من القيود القانونية والأخلاقية للدفاع الجماعي، بهدف صياغة نظام أمني مرن يتيح لها الانحياز المطلق والدعم العسكري المباشر لحلفائها الأساسيين دون الاصطدام ببنود المواثيق الدولية القديمة.

وتنطلق الرغبة الأمريكية في التحلل من التزامات الناتو من قناعة تترسخ لدى تيار "أمريكا أولاً" بأن الحلف بات عبئاً مالياً وعسكرياً لا يخدم المصالح الحيوية المباشرة لواشنطن، خاصة بعد رفض الحلفاء الأوروبيين الانخراط في الحملات الأمريكية ضد إيران أو المشاركة في تأمين الممرات المائية الحيوية كمضيق هرمز. وفي الوقت الذي تسعى فيه الإدارة الأمريكية لنقل ثقلها الاستراتيجي نحو المحيط الهادئ لمواجهة الصعود الصيني، برزت معضلة المادة الخامسة من ميثاق الناتو كعائق أساسي أمام حرية الحركة الأمريكية في الشرق الأوسط. هذه المادة، التي تلزم جميع الأعضاء بالدفاع عن أي دولة شقيقة تتعرض لهجوم، تضع واشنطن في مأزق سياسي حاد في حال اندلاع صدام عسكري مباشر بين تركيا، العضو البارز في الحلف، وإسرائيل، الحليف الاستراتيجي الأوثق للولايات المتحدة خارج الناتو، وهو سيناريو بات مطروحاً بقوة في الأروقة الاستخباراتية مع تضارب المصالح الحاد في الساحة السورية والإقليمية.

وفي المقابل، تشهد الرؤية الأمنية الإسرائيلية تحولاً جذرياً عبر صياغة خطاب سياسي وإعلامي يصنف تركيا كـ "تهديد إقليمي موازٍ لإيران"، مدفوعاً بالمخاوف من الطموحات الإقليمية لأنقرة وتطور صناعاتها الدفاعية المستقلة، لا سيما في مجال المسيرات والصواريخ بعيدة المدى. وتتحرك تل أبيب بالتوازي مع التوجهات الأمريكية عبر محاولة بناء محاور بديلة مثل "التحالف السداسي" وممر التجارة "IMEC" بالتعاون مع اليونان وقبرص لعزل تركيا وتجاوز نفوذها في شرق البحر الأبيض المتوسط.

يصبح إضعاف حلف الناتو أو الخروج الأمريكي منه خطوة استباقية تفكك شبكة الأمان القانونية التي تتمتع بها أنقرة، مما يمنح واشنطن الغطاء الكامل للوقوف عسكرياً ودبلوماسياً إلى جانب إسرائيل في أي مواجهة مستقبلية، دون الاضطرار لمواجهة التزاماتها التاريخية تجاه حليف أطلسي لم يعد يتوافق مع أجندتها الإقليمية.