قاسم شعيب
تغصُّ منصات النقاش العربية اليوم بـ«محللين» يرتدون أقنعة متناقضة، حيث يطلُّ علينا أحدهم بوقارِ الواقعيِّ المُنحدر من مدارس ميرشايمر أو ستيفن والت، ليحدثنا بلغة القوة والمصلحة والمساحات الجيوسياسية الباردة، ثم سرعان ما يقلب الطاولة على نفسه ليحاول تطعيم تحليله بـ«السردية»، ذلك المفهوم الذي خرج من رحم التفكيكية والتشكيك في جوهر الحقيقة ذاته.
إن هذا المزيج الغريب يشبه في جوهره محاولة جمع «السوشي» الياباني بـ«اللبلابي» العربي في طبق واحد، مع ادعاءٍ فجٍّ بأن هذا الخليط هو قمة الأصالة الفكرية. والحقيقة أننا أمام أزمة معرفية خانقة لا تكتفي باستيراد المفاهيم، بل تعيد صياغتها بطريقة مشوهة تفتقر لأبسط قواعد الاتساق المنطقي. إن المدرسة الواقعية التي يتغنى بها هؤلاء –بمدارسها الكلاسيكية أو البنيوية التي وضع لبناتها «كينيث والتز» وأرسى دعائمها رموز مثل «هانس مورغنتو»– تقوم على مادية صارمة تفترض وجود عالم صلب من الدول والقوى التي تتحرك وفق قوانين فيزيائية تقريباً، حيث السردية مجرد أداة ثانوية لا قيمة لها في ميزان القوة المادي. في المقابل، يرتكز مفهوم السردية عند دريدا وفوكو على هدم هذه الحقيقة الموضوعية برمتها، معتبرين أن الواقع ما هو إلا بناء لغوي خاضع لتوازنات السلطة.
وعندما يجمع «المثقف» العربي بين هذين النقيضين في سطر واحد، فإنه لا يمارس عملاً تحليلياً، بل يمارس «أدلجةً للواقعية» تهدف لتغليف الفقر المعرفي بمسحة من الغموض الفلسفي. هذا التلفيق المفاهيمي ليس مجرد خطأ منهجي عابر، بل هو نتيجة لهروب المثقف من التزاماته التحليلية؛ فهو يخشى برود الواقعية القاتل، ويضيق ذرعاً بتعقيدات التفكيكية المرهقة، فيقرر اللجوء إلى «الخلاط الفكري» ليصنع خطاباً شعبوياً يرضي الجمهور بكلمات تبدو براقة دون أن تحمل أي عمق حقيقي.
إن الخطر لا يكمن في استيراد النظريات، بل في غياب القدرة على فهم سياقاتها، مما يجعل العقل العربي في حالة من التيه المفاهيمي المستمر، حيث تضيع الحقائق المادية تحت ركام السرديات الملفقة، وتتلاشى السرديات الثقافية أمام تعسف النظرة الواقعية المبتسرة. وبدلاً من أن نكون منتجين للمعرفة، تحولنا إلى مستهلكين سريعين لمصطلحات لم نهضمها، فخرج لنا خطابٌ لا هو بالواقعيِّ الصادقِ مع أرقامه، ولا هو بالناقدِ البصيرِ بجذور لغته، بل هو خطابٌ هجينٌ يتقن فن التخفي خلف أسماء الآخرين ليخفي عجزاً عن التفكير الأصيل في قضايا أمتنا التي لا تزال تنتظر من يصحح لها المسار، بعين «العارف الحكيم»، لا بعين «الطباخ» الذي يفسد المذاق بخلط المتناقضات.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق