الأحد، 31 مايو 2026

وهم الهيمنة. هل تبتلع إسرائيل نفسها في فخ التمدد الانتحاري؟



قاسم شعيب  








في الوقت الذي تغرق فيه تل أبيب في أطول وأعقد حروبها جبهةً واستنزافاً، متنقلة بين ركام قطاع غزة، وحرائق جنوب لبنان، والضربات المتبادلة مع إيران، يفاجئنا الخطاب السياسي والإعلامي الصهيوني بقفزة بهلوانية نحو المستقبل. لم يعد الحديث داخل أروقة اليمين الحاكم والنخب الاستراتيجية الإسرائيلية يدور حول كيفية إنهاء هذه الجبهات المفتوحة، بل باتوا يتحدثون بنبرة استعلائية واثقة عما يسمونها "الحرب القادمة مع مصر وتركيا"، وكأنهم فرغوا للتو من ترتيب خارطة الشرق الأوسط وإعلان النصر المطلق!
هذه الظاهرة لا يمكن قراءتها كجزء من التخطيط العسكري العقلاني، بل هي تجلٍّ صارخ لما يطلق عليه في علم النفس السياسي غطرسة القوة Hubris. إنها حالة الانفصال عن الواقع التي تصيب القوى الاستعمارية عندما تصاب بعمى الألوان السياسي، وتتوهم أن التفوق التكنولوجي المؤقت والدعم الغربي الأعمى يمنحانها صكاً مفتوحاً لتهديد السلم الإقليمي بلا حدود.
ينبع هذا "الانتفاخ" الإسرائيلي من قراءة مشوهة لموازين القوى. ترى تل أبيب أن قدرتها على تجاوز الخطوط الحمراء، وضرب القوانين الدولية بعرض الحائط في غزة ولبنان دون الرضوخ لعقوبات حقيقية من واشنطن أو العواصم الأوروبية، هو دليل قاطع على هيمنتها المطلقة ليس في الشرق الأوسط فحسب، بل داخل مراكز القرار في الغرب عبر جماعات الضغط واللوبيات.
هذا الشعور بالحفاوة السياسية الغربية ولد عقيدة "الهروب إلى الأمام". وبدلاً من البحث من الاعتراف بالعجز في مواجهة إيران وحلفتئها، يندفع اليمين الصهيوني الفاشي نحو تبني أيديولوجيا "الجدار الحديدي" في نسختها الأكثر تطرفاً: الأمن لا يتحقق بالسلام، بل بسحق أي قوة إقليمية يمكن أن تشكل تهديداً مستقبلياً، حتى لو كانت ترتبط معها باتفاقيات سلام كمصر، أو علاقات تجارية ودبلوماسية كتركيا.
لكن خلف هذا الضجيج الإعلامي والتهديدات الجوفاء، يقبع واقع عسكري واقتصادي مأزوم. إن فتح جبهات افتراضية أو التحرش اللفظي بدول بحجم مصر بثقلها البشري وجيشها النظامي القوي أو تركيا بترسانتها العسكرية وعضويتها في حلف الناتو هو ما يمكن تسميته بـالانتحار الاستراتيجي.
فالجيش الإسرائيلي يعاني اليوم من استنزاف حاد في عنصره البشري، وأزمة ذخائر، وتراجع اقتصادي حاد انعكس على مستوى المعيشة ومعدلات الهجرة العكسية. إسرائيل لا تمتلك المقومات الذاتية لخوض حرب نظامية طويلة الأمد مع دول ذات عمق استراتيجي، وأي مغامرة من هذا القبيل تعني نهاية الرفاه الإسرائيلي إلى الأبد.
يعلمنا التاريخ أن القوى الفاشية عندما تصل إلى ذروة انتفاخها، تبدأ جدرانها الداخلية بالتآكل. وهذا السيناريو هو الأقرب للمشهد الإسرائيلي اليوم، حيث يقود هذا التمدد الزائد إلى انفجار داخلي حتمي عبر مسارين:
أولاً: تآكل العقد الاجتماعي: فالحرب المستمرة دون أفق تزيد من حدة الشرخ بين العلمانيين الذين يدفعون ضريبة الدم والاقتصاد، وبين "الحريديم" المتشددين الذين يرفضون القتال ويسيطرون على القرار).
ثانياً: عمى القيادة: عندما تصبح القرارات السياسية مدفوعة بأيديولوجيا خلاصية دينية، تسقط الحسابات البراغماتية، وتتحول القيادة إلى أداة تدمير ذاتي تقود مجتمعها نحو الهاوية وهي تظن أنها تصنع المجد.
تشبه إسرائيل اليوم بالوناً يتسع بشكل مرعب بفعل الهواء الخارجي (الدعم الأمريكي والنشوة العسكرية المؤقتة). لكن القوانين الفيزيائية والسياسية ثابتة: كلما اتسع البالون، رقت جدرانه واقترب من لحظة الانفجار. الحديث عن حروب ضد مصر وتركيا ليس علامة قوة، بل هو ذروة "التمدد الإمبراطوري الزائد Overstretchالذي لطالما كان عبر التاريخ، الخطوة الأولى والأساسية في خطة الفناء الذاتي القوى المنتفخة.


السبت، 30 مايو 2026

ماوراء الانكفاء الأمريكي عن الناتو: خطة واشنطن لرفع الحماية عن أنقرة وإطلاق يد إسرائيل

 



ماوراء الانكفاء الأمريكي عن الناتو: خطة واشنطن لرفع الحماية عن أنقرة وإطلاق يد إسرائيل

قاسم شعيب

شهدت الأروقة السياسية والاستراتيجية مؤخراً تصاعداً لافتاً في وتيرة النقاشات حول مستقبل حلف شمال الأطلسي "الناتو"، في ظل التوجهات الأمريكية المتزايدة نحو تقليص الدور العسكري في أوروبا أو التلويح بالانسحاب الكامل من المعاهدة. هذا التوجه، الذي بدأ يتبلور بشكل عملي من خلال سحب مئات الجنود الاستراتيجيين من مراكز التخطيط الأوروبية ووضع سقف زمني لتقاسم الأعباء بحلول عام 2027، لا ينفصل في أبعاده العميقة عن التحولات المتسارعة في الشرق الأوسط، وتحديداً التوتر المتنامي والتهديدات المتبادلة بين إسرائيل وتركيا. وتكشف هذه الديناميكية المشتركة عن إعادة تموضع استراتيجي تقوده واشنطن للتحرر من القيود القانونية والأخلاقية للدفاع الجماعي، بهدف صياغة نظام أمني مرن يتيح لها الانحياز المطلق والدعم العسكري المباشر لحلفائها الأساسيين دون الاصطدام ببنود المواثيق الدولية القديمة.

وتنطلق الرغبة الأمريكية في التحلل من التزامات الناتو من قناعة تترسخ لدى تيار "أمريكا أولاً" بأن الحلف بات عبئاً مالياً وعسكرياً لا يخدم المصالح الحيوية المباشرة لواشنطن، خاصة بعد رفض الحلفاء الأوروبيين الانخراط في الحملات الأمريكية ضد إيران أو المشاركة في تأمين الممرات المائية الحيوية كمضيق هرمز. وفي الوقت الذي تسعى فيه الإدارة الأمريكية لنقل ثقلها الاستراتيجي نحو المحيط الهادئ لمواجهة الصعود الصيني، برزت معضلة المادة الخامسة من ميثاق الناتو كعائق أساسي أمام حرية الحركة الأمريكية في الشرق الأوسط. هذه المادة، التي تلزم جميع الأعضاء بالدفاع عن أي دولة شقيقة تتعرض لهجوم، تضع واشنطن في مأزق سياسي حاد في حال اندلاع صدام عسكري مباشر بين تركيا، العضو البارز في الحلف، وإسرائيل، الحليف الاستراتيجي الأوثق للولايات المتحدة خارج الناتو، وهو سيناريو بات مطروحاً بقوة في الأروقة الاستخباراتية مع تضارب المصالح الحاد في الساحة السورية والإقليمية.

وفي المقابل، تشهد الرؤية الأمنية الإسرائيلية تحولاً جذرياً عبر صياغة خطاب سياسي وإعلامي يصنف تركيا كـ "تهديد إقليمي موازٍ لإيران"، مدفوعاً بالمخاوف من الطموحات الإقليمية لأنقرة وتطور صناعاتها الدفاعية المستقلة، لا سيما في مجال المسيرات والصواريخ بعيدة المدى. وتتحرك تل أبيب بالتوازي مع التوجهات الأمريكية عبر محاولة بناء محاور بديلة مثل "التحالف السداسي" وممر التجارة "IMEC" بالتعاون مع اليونان وقبرص لعزل تركيا وتجاوز نفوذها في شرق البحر الأبيض المتوسط.

يصبح إضعاف حلف الناتو أو الخروج الأمريكي منه خطوة استباقية تفكك شبكة الأمان القانونية التي تتمتع بها أنقرة، مما يمنح واشنطن الغطاء الكامل للوقوف عسكرياً ودبلوماسياً إلى جانب إسرائيل في أي مواجهة مستقبلية، دون الاضطرار لمواجهة التزاماتها التاريخية تجاه حليف أطلسي لم يعد يتوافق مع أجندتها الإقليمية.