ماوراء الانكفاء الأمريكي عن الناتو: خطة واشنطن لرفع الحماية عن أنقرة وإطلاق يد إسرائيل
قاسم شعيب
شهدت الأروقة السياسية والاستراتيجية مؤخراً تصاعداً لافتاً في وتيرة النقاشات حول مستقبل حلف شمال الأطلسي "الناتو"، في ظل التوجهات الأمريكية المتزايدة نحو تقليص الدور العسكري في أوروبا أو التلويح بالانسحاب الكامل من المعاهدة. هذا التوجه، الذي بدأ يتبلور بشكل عملي من خلال سحب مئات الجنود الاستراتيجيين من مراكز التخطيط الأوروبية ووضع سقف زمني لتقاسم الأعباء بحلول عام 2027، لا ينفصل في أبعاده العميقة عن التحولات المتسارعة في الشرق الأوسط، وتحديداً التوتر المتنامي والتهديدات المتبادلة بين إسرائيل وتركيا. وتكشف هذه الديناميكية المشتركة عن إعادة تموضع استراتيجي تقوده واشنطن للتحرر من القيود القانونية والأخلاقية للدفاع الجماعي، بهدف صياغة نظام أمني مرن يتيح لها الانحياز المطلق والدعم العسكري المباشر لحلفائها الأساسيين دون الاصطدام ببنود المواثيق الدولية القديمة.
وتنطلق الرغبة الأمريكية في التحلل من التزامات الناتو من قناعة تترسخ لدى تيار "أمريكا أولاً" بأن الحلف بات عبئاً مالياً وعسكرياً لا يخدم المصالح الحيوية المباشرة لواشنطن، خاصة بعد رفض الحلفاء الأوروبيين الانخراط في الحملات الأمريكية ضد إيران أو المشاركة في تأمين الممرات المائية الحيوية كمضيق هرمز. وفي الوقت الذي تسعى فيه الإدارة الأمريكية لنقل ثقلها الاستراتيجي نحو المحيط الهادئ لمواجهة الصعود الصيني، برزت معضلة المادة الخامسة من ميثاق الناتو كعائق أساسي أمام حرية الحركة الأمريكية في الشرق الأوسط. هذه المادة، التي تلزم جميع الأعضاء بالدفاع عن أي دولة شقيقة تتعرض لهجوم، تضع واشنطن في مأزق سياسي حاد في حال اندلاع صدام عسكري مباشر بين تركيا، العضو البارز في الحلف، وإسرائيل، الحليف الاستراتيجي الأوثق للولايات المتحدة خارج الناتو، وهو سيناريو بات مطروحاً بقوة في الأروقة الاستخباراتية مع تضارب المصالح الحاد في الساحة السورية والإقليمية.
وفي المقابل، تشهد الرؤية الأمنية الإسرائيلية تحولاً جذرياً عبر صياغة خطاب سياسي وإعلامي يصنف تركيا كـ "تهديد إقليمي موازٍ لإيران"، مدفوعاً بالمخاوف من الطموحات الإقليمية لأنقرة وتطور صناعاتها الدفاعية المستقلة، لا سيما في مجال المسيرات والصواريخ بعيدة المدى. وتتحرك تل أبيب بالتوازي مع التوجهات الأمريكية عبر محاولة بناء محاور بديلة مثل "التحالف السداسي" وممر التجارة "IMEC" بالتعاون مع اليونان وقبرص لعزل تركيا وتجاوز نفوذها في شرق البحر الأبيض المتوسط.
يصبح إضعاف حلف الناتو أو الخروج الأمريكي منه خطوة استباقية تفكك شبكة الأمان القانونية التي تتمتع بها أنقرة، مما يمنح واشنطن الغطاء الكامل للوقوف عسكرياً ودبلوماسياً إلى جانب إسرائيل في أي مواجهة مستقبلية، دون الاضطرار لمواجهة التزاماتها التاريخية تجاه حليف أطلسي لم يعد يتوافق مع أجندتها الإقليمية.
.jpeg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق