الخميس، 28 سبتمبر 2017

الحريق الجديد.. إسرائيل والورقة الكردية











قاسم شعيب




بعد أن استنفذت ورقة داعش أهدافها وشارفت على النهاية، يتّجه الغرب وشريكه الإسرائيلي إلى استخدام الورقة الكردية لمواصلة مشروعهم المُعلَن حول إعادة التقسيم. نفّذت داعش ما طُلب منها. فهي منظمة أميركية تقودها عناصر مخابرات نجحوا في تجميع غوغائيين من شتّى بقاع الأرض، وبواسطتهم نفّذت على نطاق واسع عمليات قتل وتهجير وتخريب ونهْب للثروات والآثار في العراق وسوريا ومناطق أخرى. وما يجري الآن هو العمل على سحبها من التداول تدريجاً ونقلها إلى بؤر جديدة مثل راكان في بورما أو حتى أوروبا لأداء الدور نفسه.

لا شك أن الشعوب العربية وثرواتها وأرضها كانت هدفاً مُغرياً باستمرار بالنسبة للقوى المُهيمنة. غير أن الأمر يتحوّل الآن إلى ما هو أوسع من ذلك. فالمخطط الذي تتبناه الاستراتيجية الأميركية كما حدّدها الأميرال سيبروفسكي عام 2001 ونشرها نائبه توماس بارنت عام 2004، يقضي بتدمير كامل العالم العربي أو الشرق الأوسط الموسّع كما يسمّونه باستثناء فلسطين المحتلة، والأردن، ولبنان، من أجل شرق أوسط جديد.

في 18 آب/أغسطس الماضي، نظّم المُمثل الخاص للرئيس ترامب لمحاربة داعش، بريت ماكغورك، لقاء مع زعماء القبائل بدعوى مُحاربة داعش. غير أن ذلك كان مجرّد خدعة لأن الصوَر التي نُشرت تثبت أن عدداً من قادة داعش، كانوا من بين المشاركين في ذلك اللقاء.

وقد قامت مروحيات أميركية لاحقاً، وفي 26 آب، بتهريب إثنين من قادة داعش الأوروبيين وعائلاتهم في محيط دير الزور، قبل أن يقعوا في قبضة الجيش السوري. وبعد يومين من ذلك التاريخ، قامت المروحيات ذاتها بترحيل حوالى 20 ضابطاً من داعش في محيط دير الزور أيضاً.

كل شيء يوحي أن البنتاغون يقوم بجمْع قادة داعش الذين هم، في الحقيقة، موظفون لديه حفاظاً عليهم من أجل إرسالهم إلى بؤرة جديدة، بينما أصبحت قوات سوريا الديمقراطية، المكوَّنة من عناصر كردية بالأساس، البديل لداعش في شرق سوريا.

وَحَّدت داعش الأكراد والعرب ضدّها. غير أنه الآن، وبعد أن أنهت مهمتها في سوريا والعراق، طوعاً أو كرهاً، يبدو أن البديل هو الأكراد من مدخل حقّهم التاريخي في دولة قومية. يتوافق مشروع "روج آفا"، أو البيشمركة السورية والمنطقة الكردية التي تسيطر عليها، مع الاستراتيجية الإسرائيلية التي لم تعد تهدف، منذ أواخر التسعينات، إلى السيطرة على الحدود مع سيناء والجولان وجنوب لبنان، بل الذهاب هناك إلى مناطق أبعد لأخذ جيرانها من الخلف على حين غرّة. السودان البعيد الذي تم تقسيمه أحد الأمثلة.

لكن المثال الساخِن الآن هو كردستان العراق.. فالاستفتاء الشعبي على استقلال الاقليم والأراضي المجاورة التي تسلّمها من داعش، سيكون، على الأرجح، ضربة البداية لحروب جديدة وسلسلة من محاولات الانفصال قد تتسبّب بحريق في المنطقة لا يمكن السيطرة عليه.

قد يرى المُراقب عن بُعد أن رئيس الإقليم مسعود البرزاني اختار الوقت الخطأ لإجراء الاستفتاء، لأن جيرانه العرب والإيرانيين والأتراك ضد قراره، واقليم كردستان لا يمتلك مقوّمات الدولة، فالحدود غير واضحة والخزينة شبه خاوية والديون تتفاقم والفساد مُستفحل والرواتب لم تُدفع منذ أشهر ، والرئيس انتهت ولايته منذ سنتين والبرلمان مُجمَّد منذ أن سأل البرزاني عن عائدات النفط وطالب بتحديد صلاحياته.

غير أن هذا الوضع مناسب، ليس فقط لإطلاق لعبة الانفصالات القومية والطائفية والدينية، بل إنه مناسب أيضا للبرزاني والذين يوافقونه فوق الطاولة كالإسرائيليين والسعوديين أو تحتها كالأميركيين والأوروبيين. فرئيس اقليم كردستان يحقّق لنفسه بذلك نصراً قومياً باعتباره أول مؤسّس لدولة كردية في المرحلة الحديثة، ويُعيد له ما خسره طوال المرحلة الماضية. وهذا الوضع يناسب أيضاً صندوق النقد الدولي والشركات الغربية والإسرائيلية لشراء الاقليم جملة وتفصيلاً وتحويله إلى برج مراقبة موجّه، في وقت واحد، ضدّ دول الجوار.

كان تفكير الأميركيين وحلفائهم الدخول في حروب طويلة المدى لأن الهدف كبير وهو يحتاج وقتاً من أجل تحقيقه، وكان العمل على تأسيس منظمات سلفية إرهابية جزءاً من الخطة وليس كلها. أما الجزء الآخر فهو التواصل مع قيادات كردية في العراق وسوريا وتقديم الدعم العسكري والمالي والسياسي اللازم لها من أجل أن تكون الحِراب الذي تستخدمه لاحقاً لإتمام مشروعها.

صحيح أن حلم الدولة لم يغادر الوجدان الكردي، ومن حق الأكراد التطلّع إلى بناء كيانهم السياسي المستقل، كما يقولون، غير أن المسألة مختلفة هنا. فالقيادة الكردية لا تقدّم المبرّرات المقنعة لهذه الخطوة التي تواجه رفضاً حاسماً من دول الجوار والدولة العراقية الأمّ. بل إن الأكراد قد يكونوا بصدد الانتحار بسبب الحصار الإيراني التركي العراقي المُرتقب ضدّهم وبسبب احتمال مواجهة حرب متعدّدة الجبهات. والذين يشجعونهم علناً هم فقط الإسرائيليون الذين بنوا معهم علاقات متقدّمة منذ سنوات. يثق الأكراد في حلفائهم الإسرائيليين والغربيين. وغاب عنهم أن هذه دول استعمارية لا تهمّها مصالح الأكراد أو غيرهم، بقدر ما تهمّها مصالحها التي تتجمّع كلها في مصبّ مخطّطات الحركة الصهيونية.

 المصدر: الميادين نت

الثلاثاء، 19 سبتمبر 2017

حرب الأفكار.. أمريكا وفوبيا الإسلام




قاسم شعيب

هل توجد، حقّا، حرب أمريكية على الإسلام؟ لا يمكن نفي ذلك بعد أن قال هنتنغتون منذ بداية التسعينيات في كتابه "صدام الحضارات" إن العدو الجديد للغرب بعد سقوط الشيوعية هو الإسلام، وبعد أن اعتبر أستاذه برنارد لويس أن "الصراع مع الإسلام هو صراع حضارات وأنه صراع تاريخي مؤكَّدٌ مع التراث اليهودي المسيحي للحضارة الغربية ومع تراثها العلماني وتوسّعهما معا"، وهو ما ردده مفكرون وكُتّاب أمريكيون كُثر.. غير أن ذلك ليس كل شيء بكل تأكيد.
الإسلام، في نظر الغرب، طاقة جبّارة. وإذا استطاع المسلمون أن يحْمِلوه في عقولهم وقلوبهم فسيشكّلون أكبر خطر يهدّد ثقافته وموقعه ووجود الكيان الذي يحرسه. ولأجل ذلك بدأ العمل، منذ ثلاثة عقود، على إنتاج "إسلام جديد" يناسبه.
إن موجة الكُتّاب، الذين أصبحوا، فجأة، متخصّصين في الإسلاميات، ليست اعتباطية، بل إنها جزء من "حرب الأفكار" التي تحدث عنها وزير الدفاع الأمريكي السابق دونالد رامسفيلد حين قال بعد غزو العراق: "نخوض حرب أفكار مثلما نخوض حرباً عسكرية... وتلك الحرب تستهدف تغيير الوعي، ومن الحتمي الفوز فيها وعدم الاعتماد على القوة العسكرية وحدها"، والتي أكدها الرئيس السابق باراك أوباما، الذي قال في كتابه "جرأة الأمل": "إن أمريكا تخوض في الشرق الأوسط صراعاً مسلحاً، وتخوض في الوقت نفسه حرب أفكار".
كل أولئك الذين ينظِّرون لتأويل القرآن ونسبية الحقيقة وتاريخية النص الديني والقراءة المعاصرة والإسلاميات التطبيقية وروح الحداثة.. هم في الحقيقة جزء من العدَّة الأمريكية لصناعة ذلك الإسلام الجديد بوعي منهم أو دون وعي. لم تعد النَّزعات السّلفية والوهّابية تستقطب إلا العوام، وهي مصمّمة فقط للاستقطاب والتجييش. أما المثقفون والطلبة والنّخب الأكاديمية المؤثرة، فإنهم يحتاجون نوعا آخر من الإسلام. وهو ما تم تأمينه على مدى ثلاثة عقود من الزمن.
عندما نجد كتَّابا يعتبرون القصص القرآني أساطير والمحرّمات الإسلامية تاريخية ومؤقتة والمثلية السدومية جائزة والإدمان لا مشكلة فيه والربا حلال، وعندما يصبح النبيّ مجرّد رجل عبقري والوحي إيحاء نفسي وشريعة الإسلام غير صالحة وأصول الدين خرافات.. لا يمكننا إلا أن نتوقع وجود جهات تدفع الكثير من المال لترويج أفكارها وإظهارها أمام الناس في شكل مفكّرين كبار وفلاسفة حتى أن بعضهم ممن لا علاقة له بالدين تحوّل إلى مفتٍ يسأله الناس عن شؤون دينهم فيجيب. والمفارقة هي أن يجد الأمريكيون في بعض اليسار العربي ضالّتهم. فأكثر الذين يسمّون أنفسهم اليوم مفكرين ويشتغلون على نصوص الإسلام هم يساريون متحوّلون إلى النيوليبرالية. قلّة منهم منحدرة من أصول سلفية أو صوفية أو إخوانية..
بل إننا نرى، اليوم، ماهية ذلك الإسلام الذي أصبحت تقدّمه بعض حركات "الإسلام السياسي" والتي باتت تتبنى نسخة مخففة "light" تتوخى الذرائعية وتبرّر للفساد وتشرع للتطبيع على نحو ما نرى لدى الرئيس التركي أردغان الذي يقدم نموذجا لما يريده الغرب؛ طلاءً دينيا لنظام رأسمالي ليبرالي يبيح كل شيء ولا يخجل من التطبيع مع الصهيوني.. وهو الأمر ذاته الذي تسير عليه حركة النهضة في تونس. نتذكر، مثلا، تصريحات رئيسها راشد الغنوشي المؤيدة للسدومية المثلية، وتصويت كتلته لصالح تخفيض الضرائب على الخمور المستوردة ومنع تجريم التطبيع وأخيرا تبييض الفساد.. أصبح كل شيء مبرّرا لدى هذا التيار، ولم يعد هناك شيء اسمه حرام لا في السياسة ولا في الاجتماع ولا في الحياة الخاصة.
يريد الغرب ثرواتنا وأرضنا، ويريدنا أن نبقى تابعين خاضعين. والمدخل الأساسي لذلك هو عقولنا. وهو يفعل الكثير من أجل ذلك. لا يمكننا تجاهل الدعم السّخي لمنظمات المجتمع المدني في بلادنا، ولا يمكننا تجاهل دعمهم للأحزاب الموالية لهم والعمل على إيصالها إلى سدّة الحكم لتكون هي المسهّل لتنفيذ مخططاتهم، ولا يمكننا تجاهل المنصّات الإعلامية الضخمة التي أنشأوها بأموال عربية.
الخطوة الأولى كانت صناعة إسلام يناسب الأمريكيين ومَن وراءهم، والخطوة الثانية صناعة ثورات سمّوها "ربيعا عربيا"، كما صرح جيمس وولسي الأمريكيين رئيس الاستخبارات الأمريكية السابق سنة 2006 حين كشف عن مخططات أمريكا لتفجير الشرق الأوسط وإعادة احتلاله. حينها قال وهو يتحدث عن العرب والمسلمين: "سنصنع لهم إسلاما يناسبنا ثم نجعلهم يقومون بالثورات فيتم انقسامهم على بعض لنعرات تعصبية ومن بعدها قادمون للزحف وسوف ننتصر". وهو كلام يوضح كلاما سابقا صدر عنه سنة 2003 يقول فيه: "إذا نجحنا في "تحرير العراق" سننتقل إلى سوريا وليبيا والآخرين ونضغط عليهم لمحاولة تغييرهم. آل سعود ومبارك سيأتون إلينا ليقولوا نحن متوترون جدا جدا ونحن سنقول لهم: جيّد Good، نحن نريدكم متوترين، نحن نريدكم أن تعرفوا أنه الآن وللمرة الرابعة خلال المائة سنة هذه الدولة وحلفائها (يقصد أمريكا) قادمون للزحف وسوف ننتصر".
العبث بالإسلام والإطاحة بالأنظمة وتعميم الإرهاب ليست إلا مقدمات للاجتياح الذي تعد له أمريكا لإعادة احتلال الأرض العربية وتقسيمها على أسس جديدة. وعندما تقول هيلاري كلينتون: "إن الحرب الأهلية السورية جيّدة لإسرائيل"، فإن ذلك يعني أن الارهاب مصنوع وأن استهداف سوريا بعد العراق وليبيا ودول أخرى بإشعال حروب داخلية ليس إلا مقدمة لشيء أكثر خطورة بكثير.
إننا لا نقول، هنا، تخمينات، بل إننا نَنْقل ما صرّح به أمريكيون كانوا في موقع السلطة. جيمس وولسي James Woolsey، الذي أتينا على ذكره قبل قليل، قال في محاضرة له في أفريل 2003 في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجليس: "إن الولايات المتحدة مقبلة على خوض الحرب العالمية الرابعة (الثالثة). أما الهدف هذه المرّة فهو العالم الإسلامي، وصولاً الى إعادة رسم خارطته... وهذه الحرب هي ضد ثلاثة أعداء: نظام الملالي في إيران والأنظمة الفاشية في كل من العراق وسوريا، والمتشددين الإسلاميين في كل مكان". ثم قال: "سنقوم ببناء شرق أوسط جديد وسينقلب الحكّام في بلاد مثل مصر والسعودية..".
وبالفعل، فقد تم احتلال العراق وتفكيكه وإخضاعه للإرهاب اليومي. واليوم، هم بصدد تدمير سوريا واستهداف حركات المقاومة في فلسطين ولبنان وأماكن أخرى. أما مصر فإنهم عبثوا بها ولا يزالون، بينما يعيش السعوديون آخر أيامهم.. سنكون مكابرين لو أنكرنا النجاح الذي يحققه الأمريكي في تحويل خطته إلى واقع. قالوا قبل أكثر من عقد أنهم سيصنعون لنا ثورات ويدمّرون دولا ويعمّمون الإرهاب. وها هم ينفذون مخططاتهم بالدقة المطلوبة.
بات الصراع، اليوم، بين الإسلام والغرب صراعا حضاريا. وهو ليس صراعا بين الإسلام والمسيحية التي توارت منذ انتصار فكر الحداثة وقيمها. لم يعد الغرب مسيحيا، في غالبيته، كما أكّد آخر إحصاء أجرته مؤسسة غالوب الدولية، ونسبة الملحدين وغير المتديّنين والوثنيين أصبحت تزيد عن نصف شعوبه.. في بريطانيا هي 66%، وفي ألمانيا 54%، وفي هولندا 66%، وتصل في السويد الى 76%، وفي كندا 53%..
عرف الغرب أن نقطة قوّة العرب هي الإسلام، فلم يكتف بحروبه العسكرية ضدهم، بل فرض عليهم حرب أفكار بهدف تجريدهم من الطاقة المعنوية الهائلة التي يقدمها لهم هذا الدين ومحاولة إبعادهم عنه بمحتواه القيمي والإنساني ونظامه الاقتصادي والاجتماعي العادل، تمهيدا لإخضاعهم بالكامل. فَهْم هذه الحقيقة هو شرط الانتصار في هذه الحرب.






الجمعة، 15 سبتمبر 2017

السيادة والاستلحاق.. والتحدي الجيوستراتيجي في العالم العربي









قاسم شعيب


يعطي الغرب لنفسه الحق في تحديد مسار الشعوب الأخرى التي يعتبرها مجالا حيويا لمصالحه وقيمه وثقافته. وقد وجد في بعض التيارات الليبرالية، منذ أكثر من نصف قرن، الضامن لتحقيق ذلك منذ أن اضطرته المقاومات العربية والوطنية إلى الانسحاب والتواري.
وبعد "الثورات العربية" الملوّنة التي افتعلها، بدأ هذا الغرب يلعب لعبته الجديدة لتدمير ما تبقى من انتماء وقيم وأخلاقيات وسيادة وطنية. وهنا انطلق في العمل من أجل تثبيت وكلائه فى السلطة وتعميق هيمنته من خلال تأجيج الصراعات الداخلية على أسس أيديولوجية وطائفية وإثنية كما يحدث في أكثر من بلد عربي.
وما نراه اليوم من صراعات سياسية، في دول عربية عديدة، بين تيارات ليبرالية ودينية وقومية.. ليس ناتجا عن اختلافات أيديولوجية وسياسية فحسب، بل إنه مفتعل وهو ناتج بالأساس عن هذا الإصرار الغربي على الهيمنة والاستتباع. فعدم الاستقرار السياسي والممارسات الإرهابية المتنقلة تعني نهبا آمنا للثروات الوطنية وإيقافا لاقتصادات تلك البلدان وإلجاؤها إلى صناديق النقد الدولية التي يعرف الجميع من يملكها من أجل تأبيد التبعية..
والصراع بين التيارات السياسية المختلفة يأخذ عدة اتجاهات؛ الأول ثقافي يتعلق باللغة والقيم والعادات، والثاني اقتصادي يتعلق بالثروات والمصالح المادية، والثالث أيديولوجي يتعلق بدور الدولة، والرابع استراتيجي سياسي يتعلق بالسيادة الوطنية. و"لأن المال قوام الأعمال"، فإننا نرى كيف أن التيارات التي تنحاز إلى ثقافة شعبها وقيمه ومصالحه وسيادته واستقلاله هي الأخفض صوتا والأقل شعبية والأضعف تأثيرا. فضعف التمويل وقلة الأنصار، الذين سرقهم الإعلام وغسل أدمغتهم  ليتحولوا إلى مصفقين لجلاديهم، أدى إلى ذلك.
في الثقافة، يريد الغرب مزيدا من الاختراق في العالم العربي لامتلاك العقول. وإذا كان الفرنسي يريد فرض ثقافته بشكل مباشر من خلال اللغة والفكر والفلسفة والأدب، فإن الأمريكي والانجلوسكسوني يتجنب المباشرة في كل شيء ويبحث عن سؤدده الثقافي بطرق أكثر دهاء، من خلال السينما والموسيقى والإعلام والقيم وحتى اللباس والأكل.. وفي هذه النقطة لا يريد الفرنسي أن يرى مناقضين له ثقافيا في مواقع السلطة. أما الأمريكي فهو لا يخشى على ثقافته التي تتقدم على كل الثقافات، ومستعد للتعامل مع كل من يؤمّن له مصالحه.
أما في الاقتصاد، فيتبنى الغرب الليبرالية الجديدة واقتصاد السوق. والدولة عندهم يجب أن تكون في خدمة رأس المال وليس العكس. وحتى لو تدخلت الدولة في القطاع العام فيجب أن يكون في خدمة القطاع الخاص. يرى الغرب أن ذلك يخدم مصالحه، أكثر، في الداخل وفي الخارج حيث يهيمن.
يؤمن الليبراليون في عالمنا العربي بهذه الخيارات الاقتصادية. وحتى اليسار تخلى عن الاشتراكية اليابسة وأصبح يؤمن باقتصاد السوق. ورغم أن بعض الإسلام السياسي الذي وصل إلى السلطة يتحدث عن نموذج اقتصادي إسلامي يحقق العدالة الاجتماعية والرفاه العام إلا أنه لم يفعل شيئا في هذا الاتجاه واستمرت الخيارات الاقتصادية ذاتها في سياسة الدولة. وتلك مفارقة لها أسبابها الكثيرة.
ولا يتوقف الأمرعند هذا الحد، فقد أصبح الغرب بأنظمته التشريعية وروحه المادية مرجعية لتيارات واسعة بعضها يحمل جذور يسارية أو دينية. وهم لا يقدمون تلك الأطروحات الغربية للناس بشكل علمي، بل إنهم يسعون إلى فرضها بشكل فوقي إما من خلال أنظمة استبدادية أو من خلال ضغوط البنوك الدولية والاتحاد الأوروبي. وعادة ما يبررون ذلك بالحاجة إلى التحديث وكارثية البديل السلفي. لكن الحقيقة هي أنهم يرفضون كل ما يمثل جزءا من ثقافة الإنسان العربي المسلم.
ويبقى البعدُ الاستراتيجي الإطارَ العام الذي يحفظ ذلك كلّه في تصور الغرب الذي لا يرى إمكانية لاستمرار مصالحه وثقافته وأيديولوجيته في العالم العربي إلا من خلال تأبيد تبعيته له. وهذا الهدف لا يمكن أن يتحقق إلا بمنع وصول سياسيين وطنيين حقيقيين يؤمنون بالإنسان وقيمه في الحرية والعدالة والكرامة، لأنهم يعرفون أن في ذلك تحقيق للسيادة الوطنية التي تعني الاستقلال والقرار الحر بعيدا عن أية إملاءات أو ارتهانات. تقضي استراتيجية الغرب بمنع ظهور أية أنظمة وطنية حقيقية تنجح في امتلاك سيادتها.
وبعد إسقاط الأنظمة القومية وتجربة حكم الإخوان الفاشلة في تونس ومصر، عاد الغرب إلى حلفائه التقليديين لأنهم يحملون فكره وقيمه ويخدمون مصالحه.

ويبقى السؤال: هل كُتب على العرب أن يستمروا تابعين يعيشون التخلّف في كل شيء بينما يتقدّم غيرهم؟ ألم يحن الوقت لتفهم هذه الشعوب أنها تقاد سياسيا ودينيا وثقافيا بواسطة أتعس أفرادها خدمة لمن قلّدهم مهمة تأمين مصالحه؟ ألم يصبح ملائما أن تبني على الشيء مقتضاه؟

المقاومة الواثِقة والهلع الإسرائيلي


المقاومة الواثِقة والهلع الإسرائيلي


شكا نتنياهو، خلال لقائه الأخير مع الرئيس الروسي في سوتشي، مَخاوفَه من وجود قواتٍ إيرانية على الأراضي السورية، وبشكل خاص في القنيطرة ودرعا والجولان، وطالب بإخراجها فوراً. لكن بوتين أكّد لرئيس الوزراء الإسرائيلي أن التحالف الروسي الإيراني تحالف استراتيجي. وهو ما أغضب نتنياهو الذي ردّ على طريقته.

حرب جديدة بين إسرائيل ومحور المقاومة لم تعد مجرّد احتمال، بل إنها خيار صهيوني
الرُعب الإسرائيلي من إيران ومحور المقاومة، كما عكسته تصريحات نتنياهو المتواتِرة، سواء كان حقيقياً أو مبالغاً فيه، لم يعد خافياً. لا يكاد ينقضي يوم من دون أن يُبرز الإعلام الإسرائيلي الخطر الذي أصبحت تمثّله إيران على هذا الكيان بعد نجاحها في الاقتراب من فلسطين أكثر من أيّ وقتٍ مضى. تحسب إسرائيل حساباً لأعدائها حتى وإن لم يكونوا يمتلكون القوة التي يستطيعون من خلالها تهديد هذا الكيان في وجوده، فكيف عندما يتعلّق الأمر بإيران التي نجحت في تطوير قدرات عسكرية كبيرة. والمناورات التي بدأت الثلاثاء الماضي وتستمر لمدة أحد عشر يوماً ليست إلا تعبيراً عن هذا الفزع المُغلّف ببعض الحديث عن الاستعداد لما يقولون أنه حرب قادمة. تجري تلك المناورات الأضخم منذ 19 عاماً بمشاركة عشرات الآلاف من قوات الجيش وجنود الاحتياط من القوات البرية والجوية والبحرية، في الشمال. وهي ُتحاكى عمليات إجلاء المدن وصدّ عمليات التسلّل عند الحدود من قِبَل رجال المقاومة، والهجوم على لبنان بالإضافة إلى إبطال عمل خلايا التجسّس.

تراقب إسرائيل قوة حلفاء إيران العسكرية والسياسية المُتزايدة وتمكُّنها من بناء قوى عسكرية غير نظامية، في أكثر من بلد عربي، تمتلك هيكلة تنظيمية داخلية وتلتزم إيديولوجيا مُعينة تستلهم منها عناصر أساسية في قوتها المعنوية. ومن أجل الحؤول دون استغلال طهران لعناصر القوة لديها، تأمل تل أبيب في مساعدة الروس لها لمنع أية حرب قد تفكّر فيها ضدّها. طوال السنوات الماضية للحرب في سوريا حدثت لقاءات دورية بين الرئيس الروسي ورئيس الوزراء الإسرائيلي، كانت في ظاهرها لتنسيق المواقف ومنع أيّ تصادم جوي فوق الأراضي السورية. غير أنها كانت أيضاً تطرح باستمرار الموضوع الإيراني وعلاقة الروس به. وقد كشف المحلّل السياسي الروسي، إيدين مهدييف، في موقع البرافدا عن خبر وصفه بالمُرعب نقله رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال اجتماعهما الأخير، عندما قال إن الكرملين ليس بحاجة إلى تل أبيب لكي تعلّمه كيفية ترتيب أولوياته في الشرق الأوسط.

أبلغ نتنياهو بوتين أن حلمه المُفزع بات حقيقة، وهو اقتراب الحرس الثوري الإيراني، وحزب الله لشنّ هجوم على إسرائيل، وسيستخدمان في ذلك سوريا قاعدة لشنّ هذا الهجوم. ورسم للرئيس الروسي لوحة سوداوية تحكي نهاية العالم إذا لم يتم وقف إيران، التي تنوي تدمير إسرائيل، في الوقت المناسب. كان نتنياهو منفعلاً طوال ساعتين ونصف الساعة هي مدة اللقاء. لكن بوتين كان محافظاً على هدوئه حسب مهدييف. وهذا بذاته يعكس حالة عامة في إسرائيل التي يكثّف جيشها تدريباته ومناوراته استعداداً لحرب قادمة مُحتملة بقوة ضدّ إيران والمقاومة في فلسطين ولبنان. أكّد بوتين أن "إيران حليف استراتيجي لروسيا في الشرق الأوسط". لكنه أضاف أن "إسرائيل هي أيضاً شريك مهم لروسيا في المنطقة، وأن موسكو تأخذ بالاعتبار المصالح الأمنية للدولة العبرية". لا يستطيع بوتين في هذه المرحلة سوى إدارة لعبة جيوسياسية صعبة بين طهران وتل أبيب. وهو لذلك أراد تطمين الإسرائيليين من دون التخلّي عن أصدقائه الإيرانيين وتحالفاته معهم.

لم يحصل نتنياهو من بوتين على ما يريد. وهنا يمكن تفسير الضربة الإسرائيلية الأخيرة على "مركز الدراسات والبحوث العلمية" ومخزن مجاور لصواريخ أرض- أرض في مصياف السورية على أنها بالأساس موجّهة للرئيس الروسي. رفض بوتين مطالب رئيس الوزراء الإسرائيلي فكانت الضربة انتقاماً منه. كانت ضربة غير روتينية كما قال عاموس يدلين، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية. وكانت رسالة بثلاثة عناوين. الأول هو الخوف من تعاظم القوة العسكرية الإيرانية وقدرتها على إنتاج أسلحة استراتيجية وضرورة وقف ذلك. والثاني هو فرض خطوط حمراء رغم تجاهل الروسي لها. والثالث هو إحراج الروس والقول إن وجود الدفاعات الروسية لا يمنع وقوع الغارات الإسرائيلية.

سبق لنتنياهو أن تحدّث عن إقامة منشآت صناعية إيرانية في سوريا ولبنان لإنتاج صواريخ عالية الدقّة ستُستخدم في حرب مُحتملة ضدّ إسرائيل. وهو يريد تدمير أية منشأة يتم اكتشافها مبكراً. من الواضح أن إسرائيل تخشى تعاظم القوة العسكرية لمحور المقاومة. فذلك خطر يقدِّر الصهاينة ضرورة وأده مادام ذلك ممكناً. حرب جديدة بين إسرائيل ومحور المقاومة لم تعد مجرّد احتمال، بل إنها خيار صهيوني لمحاولة الإبقاء على أمل الحياة لهذا الكيان الغاصِب قائماً. ولذلك لا يتوقّف الصهاينة عن إطلاق تهديداتهم. لكن التهديد الإسرائيلي بضرب البنى التحتية والمؤسّسات والجيش في لبنان دائماً ما يقابله أمين عام حزب الله بتهديد مُضاد بضرب المنشآت النووية والمدن الإسرائيلية.

من الواضح أن محور المقاومة يحقّق مكاسب في العراق وسوريا ولبنان. وليس من الحكمة أن يخاطر هذا المحور بهذه الإنجازات من أجل فتح جبهة جديدة في مواجهة أخرى مع إسرائيل، رغم اعتداءاتها المُتكرّرة، فمن المؤكّد أن المقاومة تحتاج إلى الوقت الكافي لإعادة نشر عناصرها وتنظيم قواتها في حال نشوب حرب مع إسرائيل، بسبب انتشارها الواسع في المنطقة، رغم الجاهزية العالية للمقاتلين ورغم أن ترسانة حزب الله قد ارتفعت من 33 ألف صاروخ وقذيفة قبل عام 2006 إلى 150 ألفاً تقريباً في الوقت الحاضر، بحسب تقديرات الإسرائيليين أنفسهم. وهذه الأسلحة هي اليوم أكثر تقدّماً، ويمكنها أن تسبّب أضراراً ضخمة للكيان الغاصِب، فضلاً عن الترسانة الإيرانية الضخمة التي يمكن أن تدخل الحرب في أيّة لحظة.

تخشى إسرائيل أيّة حرب مقبلة ضدّ المقاومة بعد هزيمة 2006. وقد تجد نفسها تقاتل في وقت واحد على عدّة جبهات. فهناك جبهة لبنان وجبهة الجولان وجبهة غزّة. وقد حذّر مطلع هذا الصيف الأمين العام لـ حزب الله السيّد حسن نصر الله من أن أية حرب إسرائيلية جديدة ضدّ لبنان أو سوريا ستجذب آلاف المقاتلين الذين يقاتلون الآن في الجبهات السورية وغيرها. لن يكون أيّ من الطرفين؛ المقاومة وإسرائيل، منفرداً في تلك الحرب، فلكل أنصاره وحلفاؤه. ولن يكون صعباً على محور المقاومة إعلان النصر لأن ذلك يحتاج فقط إلى الصّمود وإلحاق أضرار حقيقية بالكيان المحتل.

السبت، 12 أغسطس 2017

ترامب في مهبّ رياح المؤسّسة.. هل أصبحت أيامُه معدودة؟


قاسم شعيب



ترسم الأحداث الداخلية والدولية خطّ سير الرئيس الأميركي. وتلك الأحداث تصنعها، غالباً، المخابرات الأميركية المرتبطة بقوّة بالمؤسسة Establishment الحاكمة فعليّاً. لا يصنع الرئيس الأميركي الأحداث بل تصنع له حسب المُخططين خلف الستار، وما عليه إلا أن يلاحق تلك الأحداث ويفعل ما هو منتظر منه.
يجد الرئيس الأميركي المباشر نفسَه مُرغماً على توقيع ما لا يريد التوقيع عليه واتّخاذ القرارات التي يتم دفعه نحوها.
يجد الرئيس الأميركي المباشر نفسَه مُرغماً على توقيع ما لا يريد التوقيع عليه واتّخاذ القرارات التي يتم دفعه نحوها.


انهيارُ الاتحاد السوفياتي أثناء ولاية جورج بوش الأب وبيل كلينتون، وهجمات 11 أيلول/ سبتمبر خلال رئاسة جورج بوش الإبن، والانتفاضات العربية وصعود تنظيم داعش خلال رئاسة باراك أوباما.. كلها أحداث وأشياء مُخابراتية مصنوعة بشكل مُتْقن لتحقيق أهداف ماكرة لا ينتبه لحقيقتها المُحلّلون والمهتمون غالباً.
واليوم، يجد الرئيس الأميركي المباشر نفسَه مُرغماً على توقيع ما لا يريد التوقيع عليه واتّخاذ القرارات التي يتم دفعه نحوها. أصبحت روسيا السكّين الذي تضعه المؤسّسة، وواجهتها الكونغرس، على رقبة ترامب.
كان موقف ساكِن البيت الأبيض تجاه روسيا أثناء حملته الانتخابية مُتوازناً إلى حدٍ مُعيّن. رفض توجيه انتقادات إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وأبدى انفتاحاً على علاقات أفضل بين الولايات المتحدة وروسيا. وكان هذا الاتجاه يعكس إلى حد كبير موقف الرأي العام الأميركي، حيث كان 56 في المائة من الأميركيين يُفضّلون التعاون مع موسكو على العمل للحد من نفوذها، حسب استطلاع أجراه "مجلس شيكاغو" في أوائل عام 2016. بينما أفاد استطلاع آخر لمركز "بيو" أن 23 في المائة فقط حدّدوا روسيا بوصفها "عدواً".
عملت النخبة الحاكمة في الولايات المتحدة، منذ أن أوصلت ترامب إلى الحكم بأصوات المندوبين، على توجيه الأحداث وجعل الرئيس يوقّع على ما يريدون إلى درجة أصبح فيها ترامب بشكل واضح تحت وصاية الكونغرس.
ظنّ الرجل في البداية أنه سيكون رئيساً فعلياً للولايات المتحدة يُحدّد سياساتها الداخلية والخارجية حسب ما يراه هو. ولكنه بعد تجربة أشهر قليلة في البيت الأبيض يشعر أنه وقع في فخ كبير وأنه جيء به ليكون مُجرّد ممسحة تماماً كما هي حال سابقيه. الفرق بينه وبينهم هو فقط وعي الرؤساء السابقين بهذا الأمر وقبولهم بلعب الدور من دون تعنّت، بينما برهن هو على أنه لم يفهم ذلك وظنّ خطأ أنه صاحب القرار في سياسات الدولة.
كانت ولاية أوباما مجرد مرحلة. وبعد مجيء ترامب كان قرار المؤسّسة العودة فوراً إلى نظرية وولفويتز في المواجهة والسيطرة. وقد ساهم مدير موظّفي البيت الأبيض المُقال، راينس بريبوس، في التخطيط لاتّهام دونالد ترامب بالتواطؤ مع روسيا، لرفع حدّة اللهجة تجاهها وإجبار الرئيس على الخضوع، كخطوة أولى.
اتّهمت روسيا منذ البداية بالتدخّل في الانتخابات الأميركية والتأثير على أصوات الناخبين. وهو اتّهام رفضته روسيا. وأصبحت نسبة الأميركيين، الذين يرون في روسيا البلد الذي يُمثّل الخطر الأكبر، 31 في المائة.. التركيز على روسيا واعتبارها عدواً وخطراً وتهديداً للولايات المتحدة ليس شيئاً بلا خلفية أو أساس، بل إنه يقع في عُمق النوايا الخفيّة للمؤسّسة الحاكِمة التي تريد افتعال صِدام مُرعب مع الروس تحقيقاً لأهداف يقولون إنها سياسيّة هدفها ردْع الروس بينما هي في الحقيقة دينية بشكل أساسي.
خسر ترامب شعبيّته في ظرْف أشهر، وأصبحت تلك الشعبية الهشّة، بالأساس، في الحضيض بعد الهجمة التي قادها الديمقراطيون المُموَّلون بقوة من الملياردير اليهودي جورج سوروس والمدعومين من الإعلام الأميركي المؤيّد لهم كما هي حال السي آن آن. حوّل الإعلام الأميركي روسيا إلى عدو، وحَشر ترامب في الزاوية، وجعله يوقّع مُكرهاً على قانون إجراءات الحظر الجديدة التي ستفرض عقوبات تجارية على إيران وكوريا الشمالية روسيا التي اعتبرتها على لسان رئيس وزرائها مادفيديف "حرب تجارية شاملة" على موسكو. بل إن بنود هذا القانون تَحْظر على الجهاز التنفيذي، تخفيف هذه العقوبات بأي شكل من الأشكال، وهو ما يجعل دونالد ترامب مُقيّد اليدين والقدمين.
المُلفت هو أن الإجراءات الجديدة ليست مؤذية فقط لروسيا، بل إنها تطال أيضاً الاتحاد الأوروبي والصين مثلما تُطبّق على الدول المُستهدَفة رسمياً. والمُتضرّر المباشر من هذه العقوبات هو شركات ألمانية كبري عاملة في ميدان الطاقة والغاز، حيث ستُحرم ألمانيا من أن تصبح أكبر مركز في أوروبا لتجميع الغاز الروسي وبيعه بفضل أنبوب الغاز الجديد أنبوب الشمال North stream. هذا الأمر يبدو مقصوداً هدفه دفع ألمانيا نحو المحور الروسي.
وفي المقابل تعمل بولاندا على تهيئة موانئها لاستقبال الغاز الأميركي المُذاب لتتمكّن أميركا من التحوّل إلى واحد من أكبر اللاعبين في سوق الغاز الأوروبي. ولا يمكن للاتحاد الأوروبي ممارسة أية ضغوط على بولندا التي هدّدت بالخروج منه إذا حاول التدخّل في سياستها الداخلية. والمُبرّر الذي تقدّمه هو عدم رغبتها في استقبال لاجئين.
يشعر الأوروبيون الآن أنهم تلقوا صفعة شديدة بعد موافقة أصدقائهم في واشنطن من الديمقراطيين والجمهوريين على قانون يقضي على آمالهم في تحقيق نمو داخل الاتحاد الأوروبي. لا شك أنها كانت صدمة قاسية، لكنهم مع ذلك لم يعترفوا حتى الآن بأن دونالد ترامب، ليس هو مَن يحكم حقيقة. وأن المؤسسة، التي جعلت من الكونغرس يدها وذراعها، هي التي تحكم، بعد أن جعلت قادة الحزبين، الديمقراطي والجمهوري، يتّفقون على التصدّي لسياسات ترامب، للحفاظ على امتيازاتهم الإمبراطورية. لم يكن ذلك بعيداً عن دعم بارونات المال وتشجيع اللوبي الصهيوني الواضح.


يريد الحزبان الكبيران في الولايات المتحدة، معاً، كسر "عقيدة ترامب" القائلة بأنه ينبغي على الولايات المتحدة أن تتقدّم بوتيرة أسرع من الآخرين للحفاظ على الزعامة العالمية. ويسعَوْن، على العكس من ذلك، إلى إعادة إرساء دعائم "نظرية وولفويتز" لعام 1992 القائلة بأنه ينبغي على واشنطن أن تحافظ على أسبقيّتها على بقيّة دول العالم، وإبطاء تطوّر أيّ مُنافس محتمل لها. وقد حدّد وولفويتز في ذلك الحين أن المُنافس الأكثر خطورة للولايات المتحدة هو الاتحاد الأوروبي الذي ينبغي على واشنطن أن تدمّره سياسياً واقتصادياً..
لم تأت المؤسسة الأميركية بترامب ليكون الإسفنجة التي تمتص ثروات العرب، والقُفّاز الذي يُستخدم للزجّ بالخليجيين في أتون حروب داخلية وإقليمية، والأفعى التي تتمدّد اقتصادياً في أوروبا على حساب الروس، فحسب، بل جاؤوا به، بالأساس، لإفشال العمليات الروسية الحالية في أوكرانيا وسوريا، واستفزاز موسكو من أجل جرّها إلى ردود فعل غير محسوبة.. ومَن يدري، فقد يتم التخلّص منه بعد أن ينهي مهمّته كما يصرّ خصومه.

الخميس، 3 أغسطس 2017

هل قرّر الأمريكان إيقاف الحرب في سوريا بعد التشظي الخليجي وغَلْق حنفية الدولارات؟


قاسم شعيب

يجادل كثيرون بالقول إن الأمريكي بصدد رسم لوحة في المنطقة لم تكتمل بعد، لكن آخرين يشككون في ذلك ويقولون إنه لا توجد لوحة من الأساس. وكل ما يوجد هو "شخابيط" أطفال!..



بعد ثلاثة أيام على إعلان قائد القوات الخاصة الأميركية الجنرال توني توماس، أن بلاده أوقفت العمل بالبرنامج الأميركي لمساعدة فصائل المعارضة السورية المستمر منذ أربع سنوات، برّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ذلك بالقول إن هذا البرنامج "ضخم وخطير وغير فعّال". وهو ما لم يقنع السيناتور الجمهوري عن ولاية كارولينا الجنوبية ليندسي غراهام الذي وصف الخطوة، بأنها "أشبه بالاستسلام الكامل للأسد وروسيا وإيران".

صحيفة "واشنطن بوست" رأت في ذلك تعاونا مع روسيا و"نقطة أساسية في استراتيجية ترامب إزاء سوريا"، لكن ترامب لم يستطع القول إن لدى نظامه خطته السرية التي تقضي بتدمير بلد عربي آخر خدمة لإسرائيل وأن ذلك قد تم بالفعل، رد بالقول: "واشنطن بوست لفقت وقائع حول قراري وضع حد لمدفوعات طائلة وخطيرة وغير فعالة للمقاتلين السوريين الذين يحاربون بشار الأسد".

واجهت سوريا على مدى السنوات الأربعة الماضية شبكة واسعة لتهريب الأسلحة، كما كشفت عن ذلك الحكومة البلغارية مؤخر. وهي شبكة نسج خيوطها الجنرال ديفيد بترايوس حين كان يرأس وكالة الاستخبارات المركزية في عام 2012 واستمر يديرها من مكتبه في صندوق الاستثمار (كي.كي.آر). وشاركت أكثر من سبع عشرة دولة، في عملية "خشب الجميز"، من بينها أذربيجان التي وفرت نقل 28 ألف طن من الأسلحة، وكذلك إسرائيل التي قدمت وثائق مزورة للوجهة النهائية لتلك الشحنات من الأسلحة.

هذه العمليات الهائلة لتهريب السلاح التي لم يسبق لها مثيل في ضخامة حجمها، لن تفضي إلى ملاحقات قضائية، لا في الدول المعنية، ولا حتى على الصعيد الدولي، ما دام مدير اللعبة الأمريكي هو الحامي والمحامي.

لم تقاتل في سوريا منذ أربع سنوات دولٌ فحسب، بل أيضا مجموعة من الشركات الخاصة متعددة الجنسيات، التي تضم وسائل الإعلام العالمية، وقوى دولية متوسطة تعطي أوامرها لدول صغيرة مهمتها تنفيذ المهام القذرة.

والآن يشكل الإعلان الأمريكي عن إيقاف برنامج المساعدات الأمريكية للمعارضة السورية اعترافا واضحا بتورط واشنطن وقوى عديدة أخرى منها دول خليجية وعربية في الحرب على سوريا. وهذا شيء مهم أمام النفي المتكرر لذلك والادّعاء برعاية حوارات لا تنتهي بين النظام والمعارضة تحت غطاء الأمم المتحدة. يتبيّن الآن أن تلك المفاوضات لم تكن إلا وسيلة لإطالة أمد الحرب إمعانا في التخريب لمصلحة العدو القريب الرابض على جزء مهم من الأرض العربية في فلسطين أولا، ولمصلحة شركات السلاح وعصابات التهريب المنظم ثانيا.

غير أنه من ناحية أخرى، لا يمكن فهم خطوة إيقاف المساعدات عن المعارضة السورية بعيدا عن الشرخ الذي حدث بين السعودية وجماعتها من جهة، وقطر وأنصارها من جهة أخرى بعد زيارة ترامب إلى الرياض واتهامه غير المباشر لقطر برعاية الإرهاب.

ضغط الرئيس الأمريكي بقوة لإبعاد القطريين والسعوديين وأطراف أخرى عن سوريا، وإيقاف دعمهم للمجموعات الإرهابية. وكانت الوسيلة في ذلك إعادة إشعال فتيل الأحقاد التاريخية المتراكمة بين الدولتين الخليجيتين. هذا يعني أن قرارا بتصفية المعارضة السورية بعد أن أدت مهمتها التدميرية قد اتُّخِذ.. وما يعزز ذلك تصريح وزير الخارجية الامريكي تيلرسون الذي طالب فيه إيران بالانسحاب من سوريا وسحب "مليشياتها" معها.

لقد تم طوال السنوات الماضية استخدام منظمات مسلحة وإرهابية من أجل ضرب مؤسسات الدولة السورية وبنيتها التحية. وهذا يحيلنا مباشرة إلى مخطط صهيوني قديم لاستهداف مركّز لثلاث دول عربية هي العراق وسوريا ومصر.

استمر السوريون في الحديث عن الإرهاب الذي يستهدفهم منذ بداية الحرب. وهم اليوم يرون كيف أصبح الداعمون الخليجيون يتبادلون الاتهامات نفسها بدعم هذا الإرهاب في حفلة تفاضح علنية لا تتكرر كثيرا، تقودها وسائل إعلام تابعة لهذا الطرف أو ذاك.

وبعد فشل كل محاولات المصالحة بين السعوديين والقطريين، التي قادها الكويتيون والأمريكيون والأتراك، لا تبدو هناك نهاية قريبة للتوتر الذي يخنق المنطقة. بل إنه ينذر بتفجرها في أية لحظة، لتنتقل شعلة النار من سوريا إلى الخليج..

غلق حنفية الدولارات الأمريكية والريالات الخليجية وإيقاف سائر المساعدات العسكرية واللوجستية الأخرى عن المعارضة المسلحة والمنظمات الإرهابية في سوريا يعني الاتجاه نحو إيقاف الحرب. لكن هذا يحتاج بلا شك إلى تفاهمات وترتيبات جديدة في البلد لا تبدو الآن معالمها واضحة أبدا. وهو ما يعني أن النظام السوري لا يمكنه أن يسترخي، حتى لو قدم له حلفاؤه الروس التطمينات، إذ أن مرحلة جديدة في سورية تحتاج حكومة جديدة، لتبقى المفاجآت الأمريكية واردة بشكل كبير..

الاثنين، 17 يوليو 2017

عملية القدس وصفقة القرن







قاسم شعيب



حين استولت الحكومة الصهيونية على مفاتيح القدس سنة 1969، قالت رئيسة الوزراء حينها غولدا مائير إنها لم تنم ليلتها وكانت تنتظر أن ترى الجيوش العربية على أبواب فلسطين، لكن بعد أن مر الأمر دون أية ردة فعل وكأن شيئا لم يكن، قالت "نستطيع أن نفعل أي شيء".

واليوم تؤكد الأنظمة والحكومات العربية ظن غولدا مائير فيها، وتكشف ردة فعلها ما كانت تخفيه لعقود متتالية. لم يعد هناك محل للخجل بعد أن أصبح حتى مجرد التنديد بما يفعله المحتل الإسرائيلي في القدس بشكل خاص شيئا من الماضي. والاستهجان الفلسطيني لهذا الموقف يكاد يصل إلى حد الغرابة، إذ ماذا يمكن للفلسطينيين أن ينتظروا من هذه الأنظمة؟..

بل إننا نرى اليوم انضمام حركات وأحزاب ظن كثيرون لعقود طويلة أنها كانت صادقة في دفاعها عن قضايا الناس والأمة، ومنها قضية فلسطين والقدس. لقد صمتت، مثلا، حركة النهضة في تونس. ولم نر زعيمها الذي تعوّد إصدار البيانات باسمها في كل مناسبة كتَب بيانا أو قال شيئا عن عملية القدس ثم إغلاق المسجد بعد ذلك. بل إن زعيم الحركة راشد الغنوشي بدأ يدعو إلى منح الفلسطينيين حق المواطنة لأن ذلك كفيل بخلق دولة ديمقراطية يعيش في الفلسطينيون والإسرائيليون جنبا إلى جنب كما نقل عنه رئيس حزب البناء رياض الشعيبي. وهو ما يمثل تنازلا كاملا عن فكرة الدولة الفلسطينية الحرة على أرض فلسطين التاريخية والتي لا حق فيها للصهاينة الأغراب.

لا يجب أن يُبَرَّر ذلك الصمت بانشغال العرب بمشاكلهم الداخلية وحالة الخذلان الواسعة التي تسود واقعهم. بل إن ذلك يجب ربطه بما يتم إعداده لهذه المنطقة فيما أصبح يعرف بصفقة القرن. ليس صحيحا أن الحكومات والأحزاب العربية كلها مشغولة بأوضاعها الداخلية، ذلك إن موقفا سياسيا مما يحدث في القدس لا يكلف شيئا لولا وجود اتفاقات مسبقة تقضي بالتزام الصمت إزاء الخطوات الصهيونية التي لن يكون إغلاق مسجد قبة الصخرة سوى مقدمة لها. زار الرئيس الأمريكي الرياض قبل شهرين وعقد صفقات ضخمة لم تتوقف عند بيع السلاح وعقود الاستثمار، بل تجاوزتها إلى صفقات سياسة بحضور 50 حاكما "عربيا" و"مسلما"، هي الأسوأ والأخطر على المستقبل القريب للمنطقة.

ما رشح عن تلك الاتفاقات والصفقات السياسية يؤكد التوجه الكامل نحو تطبيع سياسي وثقافي واقتصادي علني تقوده المملكة السعودية، والهجوم على الفلسطينيين في غزة والقطاع بمشاركة عربية رسمية لترحيلهم نحو سيناء والأردن ومناطق أخرى تمهيدا لتمدد الكيان الغاصب حسب ما هو مخطط له.

عملية القدس التي نفذها الشهداء جبارين أبناء مدينة أم الفحم داخل فلسطين المحتلة عام 48 جاءت في وقتها لتكون ردا أوليا، ولتؤكد أن القدس لا تزال حية في ضمير كل فلسطيني وعربي ومسلم حر مثل أي بقعة أرض فلسطينية أخرى. لم تتبنّ أية منظمة العملية، غير أنها لا تبدو عملا منفردا قرّره الشبّان الثلاثة انتقاما لممارسات المحتل الظالمة ضد الشعب الفلسطيني. وقد تعكس تنسيقا داخليا وخارجيا بين الكتلة المقاومة التي لا ترى طريقا أخرى لتحرير الأرض غير القوة..

لقد أرادت القوى المهينة في هذا العالم استغلال الاختلافات المذهبية والطائفية والدينية والعرقية لإثارة الفتن والصراعات بين المسلمين والمسيحيين، العرب وغير العرب، السنّة والشيعة.. وحتى بين السنّة في داخلهم كما نرى اليوم ما يحدث بين السعوديين ومن معهم والقطريين وداعميهم.. علينا أن نعترف أنهم نجحوا في ذلك إلى حد كبير، ليس لأنهم أذكياء وأقوياء، ولكن لأن بيننا أغبياء ومرتزقة سهّلوا لهم ذلك ونفّذوا ما طُلب منهم. لقد سبق لوزير الدفاع الصهيوني السابق موشي يعلون أن تحدث عن تغييرات في الاستراتيجية الإسرائيلية تقضي بجعل العرب والمسلمين يتقاتلون فيما بينهم من خلال خلق عصابات قتل وإجرام باسم الدين في إشارة إلى داعش وما شابهها..

ولا يمكن إفشال هذه المخططات الماكرة دون نقل المعركة الى أرض العدو، وتكثيف الضربات ضد الأهداف الاسرائيلية، لأن ذلك هو الأسلوب الكفيل بتوحيد الأمة الممزقة مرة أخرى وراء الهدف الكبير. لقد عمل الغرب والصهاينة الذين يحكمونه على استبدال العدو الرئيسي المشترك للعرب والمسلمين بأعداء وهميين من خلال وكلائهم في المنطقة ومن خلال الماكينة الإعلامية الضخمة التي صوّرت العدو صديق والشقيق عدو.. والانسياق وراء ذلك ليس إلا خدمة لمشاريعهم.
تكمن أهمية عملية القدس في نتائجها. لقد فضحت لأول مرة تجّار القضية، وحدّدت من يقف إلى جانب الشعب الفلسطيني ومن يعمل ضدّه. وهي لذلك لابد أن تؤسس لاصطفافات جديدة على قاعدة الموقف المبدئي المتعالي على أية نزعات غرائزية طائفية أو إثنية أو سوقية. 


الخميس، 6 يوليو 2017

السدومية والشذوذ ثقافة يهودية متأصلة.. يُراد تعميمها







قاسم شعيب


كانت السدومية، أو الشذوذ الجنسي الذي يعرف بـ"اللواط"، ولا تزال، جزءا أصيلا من التاريخ والثقافة اليهوديين، وكانت شائعة بعمق داخل المعابد، بين الكهنة والحاخامات.

وعندما نعود إلى ﺍﻟﺘﺮﺍﺙ ﺍﻟﻘﺒﺎﻟﻲ، وهو نزعة صوفية يهودية، نجد أﻥ الإﻟﻪ ﻭالإ‌ﻧﺴﺎﻥ ﻣﻜﻮﻧﺎﻥ ﻣﻦ ﻋﻨﺎﺻﺮ ﺫﻛﻮﺭية ﻭأﻧﺛوية ﻣﺨﺘﻠطة. ﻭﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﺼﻮّﺭ ﺍﻟﺤﻠﻮﻟﻲ ﻛﺎﻥ ﻟﻪ تأثيره الكبير على ﺷﺮعنة ﺍﻟﺸﺬﻭﺫ ﺍﻟﺠﻨﺴﻲ والسدومية ﻓﻲ ﺍﻟﻴﻬﻮﺩية. بل إن بعضهم يرى أﻥ ﺍﻟﺸﺬﻭﺫ ﺍﻟﺠﻨﺴﻲ هو أﺣﺪ ﺳﻤﺎﺕ ﺍﻟﻤاشيح اليهودي ﺍﻟﻤﻨﺘﻈﺮ، عل أساس عقيدتهم في "ﺍﻟﺼﻌﻮﺩ ﻣﻦ ﺧﻼ‌ﻝ ﺍﻟﻬﺒﻮﻁ". ﻭﻫﻮ ﺍﺗﺠﺎﻩ إﺑﺎﺣﻲ ﺗﺮﺧﻴﺼﻲ ﻳﺆﺻﻞ ﻟﻔﻜﺮة تقول إن الإنسان كلما ﺍﺯﺩﺍﺩ ﺍﻧﺤﻼ‌ﻻ‌ أصبح أكثر سموا، وكلما اقترب أكثر من الإله كلما أمكنه التخلي عن الشرائع. 

ولعل ﻇﺎﻫﺮة ﺷﺒﺘﺎﻱ ﺗﺴﻔﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﺍﺩّعى أﻧﻪ ﺍلماشيح ﺍﻟﻤﻨﺘﻈﺮ، تجسيد واضح لهذه العقيدة. فقد طاف البلدان ﻭﺗﺤﺮﻛﺖ ﻣﻌﻪ ﻗﻠﻮﺏ ﺍﻟﻴﻬﻮﺩ ﻓﻲ ﻛﻞ أﻧﺤﺎﺀ ﺍلأ‌ﺭﺽ، ﻭﺍﺳﺘﻌﺪﺕ ﺍﻟﻌﺎﺋﻼ‌ﺕ ﺍﻟﻴﻬﻮﺩية ﻟﻠﻌﻮﺩة إلى أﺭﺽ ﺍﻟﻤﻴﻌﺎﺩ ﺣﻴﺚ أﺳﻘﻂ ﺗﺴﻔﻲ ﺍﻟﺸﺮﺍﺋﻊ ﻭﺍﻧﻐﻤﺲ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻠﺬﺍﺕ، ﻭﻇﻬﺮﺕ ﻋﻨﺪﻩ ﻣﻴﻮلات سدومية وشاذة. ﻭﻫذا الشخص هو ﻣﺆﺳﺲ ﺍﻟﺤﺮكة ﺍﻟﺸﺒﺘﺎنية ﺍﻟﺘﻲ أﻓﺮﺯﺕ ﻳﻬﻮﺩ ﺍﻟﺪﻭنمة، وﻛﺎﻧﺖ ﺍﻟﺤﺮكة ﺍﻟﺼﻬﻴﻮنية ﺍﻣﺘﺪﺍﺩا ﻟﻬﺎ .ﻭﻗﺪ ﻭﺭﺛﺖ ﺍﻟﺤﺮكة ﺍﻟﺤﺴﻴﺪية ﻣﻌﻈﻢ ﻫﺬﻩ ﺍﻻ‌ﺗﺠﺎﻫﺎﺕ الإﺑﺎحية ﻭﻧﺎﺩﺕ ﺑﻤﺎ أﺳﻤﺘﻪ "ﺍﻟﺨﻼ‌ﺹ ﺑﺎﻟﺠﺴﺪ" على أساس الأﻓﻜﺎﺭ ﻭﺍﻟﻤﻌﺘﻘﺪﺍﺕ ﺍﻟﺴﺎبقة ذاتها.

 واليوم تضم تل أبيب أكبر عدد من الشواذ في العالم، حتى باتت تسمى "المدينة الوردية" أو "شاطيء قوس قزح" نسبة إلى ألوان العَلَم الذي يتخذه الشواذ شعارا لهم. ويحاول نشطاء مثليون تقديم تأويلات جديدة للتاناخ أو التوراة، كتاب اليهود المقدس، لإقناعهم بالتعايش مع الشواذ.
وفي دراسة أجراها المؤرخ اليهودي يارون بن نائيه، أكد أن الشذوذ كان منتشرا جدا بين أبناء الطائفة اليهودية زمن الإمبراطورية العثمانية، وهناك عشرات الدلائل التي تؤكد أن المجتمع اليهودي لم يكن يَنْظر، في أي وقت من الاوقات، بسلبية إلى الشذوذ الجنسي.

ويقول ليفني إن المثلية الجنسية هي مجرد عادات غربية جلبها اليهود الأشكناز القادمون من الدول الأوروبية إلى فلسطين المحتلة والتي تعتبر جزءا من تقاليد الأنجلو ساكسونية. واليوم يتم النظر إلى مثليي الجنس فى دولة الصهاينة في فلسطين على نحو عادى، وتسمح هذه الدولة الغاصبة للشواذ فيها وفي جميع أنحاء العالم، كل صيف، بالخروج فى مسيرات تبدأ من مدينة تل أبيب وتنتهى بمدينة القدس.

وهي لا تمانع من مشاركة الشواذ فى الخدمة العسكرية، حيث ذكر تقرير نشر بالقناة الثانية بالتلفزيون الإسرائيلي أن الجيش دفع بجنود شواذ خلال الحرب الأخيرة على غزة. فقد تم منذ سنة 1988 إلغاء القانون الذي يحظر الشذوذ في دولة الاحتلال، بعد صدور حكم قضائي حصلت عليه جمعية "حقوق المواطن" وجمعية "هلهطاب". وبذلك سُمح لمثليي الجنس بالزواج العرفي وتبني الأولاد من قبل الأزواج المثليين. ﻭﻗﺪ ﻋﻘﺪ حاخام يهودي أﻭﻝ ﺯﻭﺍﺝ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺸﻮﺍﺫ ﺟﻨﺴﻴﺎ ﻓﻲ إﺳﺮﺍﺋﻴﻞ ﻋﺎﻡ 1998.

وخلال القرن الماضي أثبت المفكرون اليهود أن المثلية الجنسية جزء لا يتجزّأ من تاريخ الشعب اليهودي والتقاليد اليهودية القديمة باستثناء هانز يواكيم المؤرخ اليهودي واللاهوتي وزعيم حركة الشباب اليهودي الألماني، الذي يرى أنها وباء على إسرائيل والمنطقة وقاد حملة لحظرها في المجتمعات اليهودية في فترة السبعينات دعمها عضو البرلمان ليفني ليتم إلغائها.

حافظ اليهود على علاقات سدومية شاذة بين الذكور. وكانت العلاقات الجنسية المثلية الشاذة شائعة إلى حد كبير، تدل على ذلك عشرات المصادر. وحتى في العصر الحديث لم يكن هذا السلوك سلبياً بين أبناء المجتمع اليهودي. وفي العقود الأخيرة، عاش اليهود المثليين والمثليات بشكل عادي في المجتمع اليهودي وهو الأمر الذي لم يرفضه الحاخامات "الوسطيون" والليبراليون.

وفي كتاب المؤرخ اليهودي لانجر الذي صدر بعنوان "الحب الأخوي" أي حب الرجل للرجل، عام 1932، وصف حب الذكور لبعضهم بعضا بالحب "الأعمق" معتبرا إياه الرغبة الأساسية في الديانة اليهودية، على أساس الوصية الشائعة "محبتك لأخيك الإنسان كمحبتك لنفسك". ويرى لانجر أن حب الذكر للذكر ينتصر على مر الأجيال لأنه حب حقيقي لا يرتبط بالرغبة في العلاقات الجنسية فقط. أما النداءات المستمرة لحظره فتدل على أنه أمر شائع بين اليهود.

وعلى هذا النحو، ﺍﻧﺘﺸﺮﺕ ﺍﻟﻤﻤﺎﺭﺳﺎﺕ ﺍلجنسية ﺍﻟﺸﺎﺫة ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻴﻬﻮﺩ عبر التاريخ. ويمكننا أن نرصد كيف كان اليهود ﺍﻟﺴﻔﺎﺭﺩ، ﻗﺒﻞ ﺍﻟﻄﺮﺩ ﻣﻦ أﺳﺒﺎﻧﻴﺎ، وبعده، موصوفين بالشذوذ ﺣﺘﻲ أﻥ ﻛﻠﻤﺘﻲ ﻳﻬﻮﺩﻱ ﻭﺷﺎﺫ ﺟﻨﺴﻴﺎ ﻛﺎﻧﺘﺎ ﻣﺘﺮﺍﺩﻓﺘﻴﻦ ﻓﻲ ﺷﺒﻪ ﺟﺰﻳﺮة إﻳﺒﻴﺮﻳﺎ .

ولأجل ذلك ليس غريبا أن يكون ﻣﺎﺟﻮﻧﻮﺱ ﻫﻴﺮﺷﻔﻴﻠﺪ ﻭﻣﺴﺎﻋﺪﻩ ﻛﻮﺭﺕ ﻫﻴﻠﺮ، ﻭﻛﻼ‌ﻫﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﻳﻬﻮﺩﻳﺎ، هما المؤسسان لأول جماعة ﻟﻠﺸﻮﺍﺫ ﺟﻨﺴﻴﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﺬﻛﻮﺭ. بينما ﻛﺎﻥ ﻫﻴﻠﺮ أﻭﻝ ﻣﻦ ﻃﺎﻟﺐ ﺑﺎﻋﺘﺒﺎﺭ ﺍﻟﺸﻮﺍﺫ ﺟﻨﺴﻴﺎ أقلية ﻻ‌ﺑﺪ ﻣﻦ ﺣﻤﺎية ﺣﻘﻮﻗﻬﺎ .

كان الشذوذ الجنسي والسدومية المثلية ممارسة موجودة في كافة المجتمعات. وكانت المجتمعات على اختلاف ثقافاتها تجَرِّم هذه الممارسة. غير أن الجديد الذي يريد اليهود الحاكمون في العالم اليوم تعميمه، من خلال شركاتهم الضخمة ونواديهم المعلنة والخفية وسلطتهم على مختلف الأنظمة والحكومات، هو تحويل الشذوذ إلى سلوك قانوني ومشروع تماما ليصبح الزواج المثلي شيئا طبيعيا يتم التنظير له وتبريره من خلال الإعلام والسينما والموسيقى والأعمال الفنية المختلفة.. ولا شك أن هذا الأمر لا هدف من وراءه سوى تدمير الأسرة وتخريب العلاقات الجنسية الطبيعية بين الرجل والمرأة من خلال مؤسسة الزواج، وتعميم هذا السلوك الشاذ في العالم وصولا إلى تدمير أهم قيمة إنسانية وهي قيمة الحياة حيث لا تناسل بين شواذ..