الاثنين، 2 أبريل 2018

هل يمكن بناء القيم الأخلاقية على أساس الفكر الإلحادي؟



قاسم شعيب



يبحث علم الأخلاق في ما ينبغي أن يكون عليه سلوك الإنسان. فالأخلاق لا تقبل بما هو واقع دائما، بل تبحث عن الأفضل والأكمل من أجل تحقيقه. وإذا كان العلم الطبيعي يريد اكتشاف الواقع من خلال الملاحظة والتجربة والسبر والاستنتاج، فإن العلم الأخلاقي يريد الانطلاق بالواقع نحو آفاق أجمل اعتمادا على قدرات الإنسان الكامنة. والفرق الآخر بين الاثنين هو الموضوع لأن العلم الطبيعي يبحث في هو مادي بينما تبحث الأخلاق فيما هو روحي.
يفتقر الملحد إلى مرجعية نهائية تحدد له بوصلة الحركة. ولأجل ذلك يرفض الاعتراف بوجود الحقيقة المطلقة ويعتبر الحقيقة نسبية وذاتية وكل إنسان يراها على طريقته. لا شك أن الذاتية والنسبية ليست خاصة بالملحدين بل إنها تشمل المثاليين واللادريين والشكاكين والريبيين والوجوديين.. وباختصار كل النزعات الذاتية على مختلف تلوّناتها.
يختلف الفلاسفة في الأسس والمعايير التي يقوم عليها العقل العملي. وهناك معياران أو أساسان عندهم. الأول، الأساس الذاتي. والثاني، الأساس الموضوعي. والأساس الذاتي ليس شيئا آخر سوى الرؤية الذاتية للشخص أو مجموعة الأشخاص أو المجتمع في عمومه. أما الرؤية الموضوعية فهي التي تعتمد أسسا واقعية منفصلة عن الإنسان وتتفق حولها جميع العقول. فهذا الاتجاه يرى أن القاعدة الصلبة للأخلاق متحققة في الواقع الخارجي خارج ذهن الإنسان. وهي لذلك صحيحة في ذاتها حتى لو لم يؤمن بها أحد.
لا يؤمن الإلحاد بالأساس الموضوعي للأخلاق ويتبنى الأساس الذاتي القائم داخل الذهن الإنساني. فهو يقيم تصوراته على المعيارية الذاتية، لكن مشكلة هذه المعيارية في نسبيتها. ذلك أنها لا تقبل بالإطلاق، وهو ترى أن الأحكام الأخلاقية تتباين بحسب تباين وجهات النظر وتعدد الأفراد. فالمجتمعات تختلف قواعدها الأخلاقية باختلاف ثقافاتها وتقاليدها وأنساقها الفكرية والدينية. وهذا ما يعني غياب مرجعية ثابتة ونهائية في نظر الاتجاهات المادية والوضعية لأن المرجعية لديهم ليس واحدة بل متعددة، والأخلاق ليست نهائية بل متغيرة.
يعترف جان بول سارتر بحقيقة أن الإلحاد وإنكار وجود الله يعني ضرب كل القيم[1]. لكن الحرج الذي شعر به سارتر والناتج عن التداعيات المدمرة لإنكار وجود الله حاول ريتشارد دوكنز المعروف بإلحاده الالتفاف عليه من خلال إنكار وجود الخير والشر والحديث عن عدمية مطلقة للوجود فقال: "في هذا العالم لا يوجد شر ولا يوجد خير، لا يوجد سوى لامبالاة عمياء وعديمة الرحمة"[2]. وهو بذلك يتجه إلى نوع من النسبية الأخلاقية والعدمية الوجودية التي لا يمكن بناء الحياة على أساسها بسبب تصادم المصالح والأهداف والرؤى.
 وبالفعل، فإن إنكار وجود الله ورفض اعتباره ضامنا للحق والخير والمسؤولية يعني استباحة كل شيء، وهو ما يعني الانخراط في عبثية تدمر الحياة لا محالة. وهذا ما فهمه الباحث الأميركي اللاأدري ديفيد برلنسكي عندما قال مفسرا مقولة ديستوفسكي: "إذا كان الإله غير موجود فكلّ شيء مباح"، "فإذا لم تكن الواجبات الأخلاقية مأمورة بإرادة الله، ولم تكن في الوقت ذاته مطلقة، فإن (ما ينبغي أن يكون) هو ببساطة ما يقرّره الرجال والنساء. لا يوجد مصدر آخر للحكم. هل هذه إلا طريقة أخرى للقول بأنه طالما أن الإله غير موجود، فكل شيء مباح؟"[3].
تعني نسبية القيم تحوّل مفاهيم الحق والخير والفضيلة إلى أشياء نسبية متغيّرة بحسب نظرة الشخص لها حيث لا مرجعية موحدة تجمعها. والقول بنسبية القيم يعني أنه لا يوجد معيار للقيم وأن المنطق الإلحادي والوضعي عامة لا يملك معيارا لها. لا يستطيع الفكر المادي الوضعي تفسير مفاهيم الوعي والإدراك والقيم الأخلاقية. ولا يمكنه الاعتراف بوجود مكوّنات غيبية فوق طبيعية في عالمنا، وكل ما يستطيعه هو السعى إلى البحث عن تصوّر مادّي جديد يستطيع تقديم مبرّرات موضوعية تسوّغ الفعل الأخلاقي الإنساني في إطاره.
 إن إنكار الواقع الموضوعي للقيم واتفاق الناس جميعا حولها لا حل له نظريا إلا باللجوء إلى مقولة النسبية التي لا تصمد أمام أية محاججة منطقية. فالناس يتعاملون في الحياة العامة على أساس التسالم على تلك القيم. ولولا ذلك لاستحالت المعاملات الإنسانية. فأشياء مثل الأمانة والعهود والصدق والحقوق لو لم تكن موضوعية متفق عليها بين الناس لما كانت المعاملات المالية والتجارية والاجتماعية ممكنة.. بل إن الادّعاء بنسبية القيم من الممكن أن يحوّل القتل إلى ممارسة متهوّرة لا تقوم على أساس سوى الأهواء والنزوات. وهو أخطر ما يمكن أن يصيب الحياة العامة.
إن الحديث عن نسبية الأخلاق يعني بوضوح استباحة كل شيء. يصبح الزنا والسدوية والشذوذ والخيانة والكذب والقتل والشر والرذيلة.. أشياء مبرّرة تماما. ولعل هذا ما وصلت إليه اليوم بعض المجتمعات والأفراد كما هي حالة لورنس كراوس الذي يعتقد بصحة زنا المحارم في مناظرته مع حمزة تزورتيس. وكذلك ريتشارد دوكنز الذي رأى أن الإجهاض فعل أخلاقي ومشروع طالما ليس هناك ألم، وبرّر ذلك بقوله: "لأن الجنين في بطن أمّه هو أقل إنسانية من أي خنزير بالغ"[4]. وهذا التبرير يوضح قيمة الإنسان في رأي دوكنز!
وبالمنطق ذاته تصبح السدومية والمثلية الجنسية ممارسة مشروعة بل يصبح الجنس مع البهائم شيئا مشروعا كما قال الأسترالي بيتر سنجر. فمادام ذلك لا يتضمن أذى من أي نوع للحيوان فهو أمر طبيعي ومقبول في إطار حميمية العلاقة بين الحيوانات والإنسان[5]. لا يهتم أتباع هذا التيار بقيمة الحياة الإنسانية التي لا يمكن لشيوع ممارسات السدومية والجنس الحيواني سوى تدميرها فضلا عن الأمراض التي تسببها تلك الممارسات الشاذة والمصادمة للطبيعة.
ليس الإلحاد حقيقة تتحرك داخل الإنسان. بل هو مجرد أداة لتبرير اعوجاج في السلوك والفكر يعاني منه الشخص. يؤمن كل الناس في قرار أنفسهم بالله خالقا لهذا الوجود. غير أن الذين يقبلون برسالاته ويسلّمون لأمره قلة من الناس. مشكلة الإنسان مع الله كانت دائما في طاعته وليس في الإيمان بوجوده.
والأخلاق مثل بقية القيم الحقوقية هي الضحية الأولى لنزعات الإلحاد المزعومة. ذلك أن إنكار الوجود الإلهي مجرد مدخل لإنكار رسالاته ورفض القيم التي دعا إليها. لا شك في حاجة الأخلاق إلى الإيمان والعقل معا، فهما صديقان لا ينفصلان. ورغم أن البعض قد يرى إمكانية لتأسيس الأخلاق على العقل فحسب، إلا أن هذه ليست إلا حالة قلة من الناس. ذلك أن أكثر الناس تحركهم الانفعالات والعواطف، والثواب والعقاب. فما لم يكن هناك ثواب محتمل أو عقاب متوقع، فإن هذا الصنف من الناس ليس بإمكانه الالتزام بأية ممارسات أخلاقية.
ولأجل ذلك يرى أغلب الناس أن الإلحاد لا يمكنه أن يكون أساسا للأخلاق، بل إنه سبب رئيسي في تدميرها. وهم يستدعون التجربة السياسية لبلدان المعسكر الشيوعي لتأكيد ذلك.
إن الماديين والملاحدة ليس بإمكانهم تبرير القيم الأخلاقية حتى وإن آمنوا بها. فالأخلاق تحتاج إلى الدّين والعقل، وكلاهما مرفوض لدى المدرسة المادية. وبرفضهم للدّين والعقل لا يبقى لديهم أساس موضوعي للفعل الأخلاقي.
يمكننا أن نجد ماديين وملحدين يمتلكون أخلاقا ولكن لا توجد أخلاق إلحادية. والسبب هو أن الملحد يتأثر ببيئته وتربيته ومنهما يكتسب الالتزام الأخلاقي. أما الإلحاد النظري ذاته فهو لا يقبل الأخلاق الموضوعية والمطلقة المؤسسة بالضرورة على الدين أو العقل أو كليهما.


[1] Jean-Paul Sarte: Basic writings, New York: Routledge, 2001, P.32.
[2] Richard_Dawkins, River Out of Eden:A Darwinian_View of Life, P.133.
[3] David Berlinski: The Devil’s Delusion:Atheism and It’s Scientific_Pretensions, P.19,40.
[4] Richard Dawkins tweets on abortion. https://www.lifesitenews.com/opinion/richard-dawkins-tweets-on-abortion-any-fetus-is-less-human-than-an-adult-pi.
[5]  بيتر سينغر، الالحاد وجماع الحيوانات https://www.youtube.com/watch?v=2pG01ASbgyM.

السبت، 31 مارس 2018

مناورة ترامب الجديدة





مناورة ترامب الجديدة


قاسم شعيب



بعد أن أقصى وزير خارجيته ريكس تيلرسون وجاء بمايك بومبيو مكانه وثنى بتعيين جون بولتون مستشارا للأمن القومي أصبح ترامب يقود حكومة حرب. فالدفاع والخارجية والأمن والمخابرات أصبحت كلها بأيدي متطرفين انجيليين عمل بعضهم مع الرئيس الامريكي الأسبق بوش الابن.
لكن المفاجأة إعلان الرئيس الأمريكي أمس عن سحب قوات بلاده قريبا جدا من سوريا بسبب الانفاق العسكري المرتفع هناك والذي وصل إلى سبعة تريليونات دولار دون الحصول على شيء كما قال..
قال ترامب إن بلاده قضت على داعش. وهذا كلام لا واقع له. فقد كان الجيش العراقي والحشد الشعبي هم من حارب داعش بدعم إيراني. والمشاركة الأمريكية والتحالف في المعارك تبقى مشبوهة لأننا نعرف كيف تم نقل دواعش من الرقة التي فروا إليها بعد استعادة الموصل إلى أفغانستان وسيناء كما صرح الرئيس التركي أردغان وأكده الرئيس المصري السيسي.
بل إننا نرى اليوم كيف يعود داعش تدريجيا إلى الظهور. فهو منتج أمريكي طويل الأمد يستهدف الأسواق العربية والإسلامية. وتكمن خطورته في أن واشنطن تستطيع تنويمه وإيقاظه في الزمان والمكان الذي تريد. نقلت الولايات المتحدة جزء من داعش إلى سيناء وأفغانستان والجزء الآخر أُخفي. والآن تستعد جيوب داعش، التي استبقاها الأمريكان في دير الزور وكركوك ونينوى، للتحرك من جديد لرسم خارطة جديدة وتغيّر جديد في مناطق النفوذ. يبقى داعش ذراعا لـ سي ىي ايه وما لا يريد الجيش الأمريكي وبلاك ووتر تنفيذه تنفذه داعش.
لا يمكن للولايات المتحدة أن تترك ثروات سوريا التي بنت حولها قواعد عسكرية تصل إلى 20 قاعدة بسهولة. فنحن لم نر محتلا واحدا عبر التاريخ خرج طواعية، وعندما يضطر المحتل للانسحاب العسكري فإنه يعمل على تأمين مصالحه الاقتصادية والثقافية عبر وكلاء يختارهم بعناية ليخدع بهم أهل الأرض عندما يستطيع ذلك.
إعلان ترامب عن الانسحاب قريبا من سوريا يذكرنا بإعلان أوباما عن انسحاب مماثل منذ سنوات بفعل ضربات المقاومة العراقية لكن ذلك كان مجرد خدعة لتهدئة المعارضة المتزايدة للوجود الأمريكي. واليوم يوجد في العراق وحدها 5500 جندي أمريكي حسب المعلن ولا يستبعد أن يكون الرقم أكبر بكثير. كما أن بوتين فعل ذلك وأعلن أكثر من مرة الانسحاب من سوريا ولم يحدث شيء من ذلك في الواقع. ومن الممكن أن ترامب كان يتحدث في سياق آخر يقصد به الأتراك وأراد أن يشعرهم أن قواته لن تتعرض لهم شرق الفرات أين تتمركز.
غير أنه لو صح أن الأمريكان يريدون الخروج من سوريا فهذا قد يعني أن زلازل عسكرية قادمة حضرت لها واشنطن. وخروجهم لن يكون إلا مراوغة لتجنب تداعياتها. وأول تلك الزلازل ما يحضّر له في الأردن منذ مدة والتي سبق للروس أن كشفوا عنه لضرب دمشق بشكل مباشر.
يحمل ترامب عقل تاجر، ويحسب مصالح أمريكا الاقتصاديّة، ويُقدمها على المصالح السياسيّة، كما فعل مع محمد بن سلمان الذي عقد معه صفقات عسكرية واقتصادية تصل الى 200 مليار دولار في رحلته إلى أمريكا التي تتواصل حتى الآن. لكن ترامب لا يحكم وحده. فالمؤسسة هي التي تحدد السياسات العامة للبلاد وهي التي تفرض خياراتها.
يحسن الأمريكيون المناورة. وهم لم يخسروا حتى الآن في سوريا جنديا واحدا. وتحملت دول الخليج كل المصاريف أو أكثرها على الأقل، ومن ذلك الدعم السخي للمعارضة المسلحة التي تخسر مواقعها، اليوم، الواحد بعد الآخر بعد توقف حنفيات الدولارات، وتخلي الخليجيين والأتراك والأمريكيين عنهم لحسابات لا تبدو الآن واضحة ومن المؤكد أنها ستظهر لاحقا.
لا شيء يدل على أن ما قاله ترامب جدي. وقد كان وزير الخارجية الساق تيلرسون أعلن أن أمريكا ستبقى لمدة طويلة في سوريا. كما أن وزارة الخارجية نفت علمها بوجود خطط للانسحاب من سوريا. لكن المؤكد أن الإدارة الأمريكية بصدد إعداد سيناريو جديد في سوريا ربما يكون فاصلا وعلى درجة كبيرة من الخطورة رغم أن تفاصيله لا تزال مجهولة.

الأربعاء، 7 مارس 2018

في العلاقات الاقتصادية المختلة شمال - جنوب: أوروبا وتونس نموذجا







رغم ما تنطوي عليه بلدان جنوب المتوسط من ثروات طبيعية هائلة، إلا أنها فشلت في تحويلها إلى عنصر قوة لتحقيق نهضة زراعية وصناعية حقيقية، واستمرت دول الشمال مهيمنة على مقدراتها، من خلال شركاتها الضخمة، محوّلة إياها إلى أسواق مربحة لمنتجاتها ومصدر رخيص لليد العاملة المتخصصة فيها. 
وإذا أخذنا تونس مثالا، فإن ملف الثروات الطبيعية لا يزال يمثّل لغزا لا يتوقف الخبراء والناشطون والإعلاميون عن طرحه في مختلف المنابر بسبب غياب تفسيرات مقنعة لطريقة تعاطي الحكومات المتعاقبة معه.
أحد تلك الثروات الطبيعية التي يطالب التونسيون بكشف حقيقة استغلالها هو الملح الذي تستحوذ فرنسا على عائداته منذ أكثر من ستين سنة. يتراوح إنتاج الملح في تونس بين 1.5 مليون ومليوني طن سنويًا، يتم تخصيص 100 ألف طن منها للاستهلاك المحلي، بينما يتم تصدير بقية الإنتاج إلى الخارج وخاصة نحو النرويج والدنمارك وأيرلندا.
لكن المستفز بالنسبة إلى التونسيين هو استحواذ الشركة الفرنسية "كوتوسال" على ثلثي الإنتاج واستغلال الشركة لسباخ تونس مقابل فرنك واحد للهكتار بمقتضى المادة 11 من الاتفاق المبرم بين الطرفين منذ 69 عاما، بينما يصل اليوم السعر العالمي للهكتار الواحد إلى 15 دولارا.
تأسست الشركة العامة للملاحات "كوتوسال" بمقتضى اتفاقية صادرة بـ "أمر علي" عن الباي/الملك، في 3 أكتوبر 1949، بغرض استخراج الملح البحري من الأراضي الدولية في الجنوب التونسي لمدة 50 سنة. انتهى العقد سنة 1989، إلا أنه تمت مواصلة العمل بالاتفاقية على الرغم من عدم قانونيتها.
تعترف وزارة الصناعة التونسية، أن هذه الشركة هي الوحيدة التي لا تخضع لـ "مجلة المناجم"، وهي حزمة قوانين تنظم عملية استغلال الثروات الطبيعية في تونس. والسبب في ذلك هو أن عملية الاستغلال للأرض بدأت قبل الاستقلال التونسي سنة 1956، لتصبح شركة "كوتوسال" غير ملزمة بقوانين استغلال الثروات المتبعة مثل بقية الشركات. بينما المعقول هو إلغاء الاتفاق مع هذه الشركة بسبب انتهاء صلاحيته منذ سنة 1989، وتأميم هذه الثروة تحقيقا لسيادة الدولة على ثرواتها. فبحسب العديد من الخبراء، تتكبّد الدولة التونسية خسائر كبيرة في مستوى تأجير السباخ لصالح هذه الشركة، تفوق 1.97 مليار دولار سنويًا.
تستمر فرنسا في المحافظة على امتياز استغلال الملح التونسي منذ حقبة الاستعمار، ولم يتم تعديل الاتفاقية إلا من أجل مراجعة مساحة سطح امتياز الاستغلال كان في آخرها 15 يونيو 1975، ولم تشمل مسألة العائدات الماليّة ونصيب الدولة فيها.
غير أن حرمان التونسيين من عائدات ثرواتهم الطبيعية لا يشمل فقط الملح، بل إن ملف النفط والغاز لا يزال هو الآخر لغزا كبيرا في تونس. أطلق ناشطون حملة تحت شعار "وينو البترول"، منذ أكثر من ثلاث سنوات، وأعلن أصحاب الحملة عن تشكيكهم في الأرقام التي قدمتها الحكومة حول إنتاج البترول، مؤكدين وجود نهب لبترول بلادهم، ومطالبين الحكومة بنشر العقود التي تربط تونس بالشركات الدولية التي تستغل آبار النفط التونسية.
وقد أكدت رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة، سهام بن سدرين أن الهيئة تسلمت من فرنسا أرصدة تاريخية من الحجم الثقيل، بحسب تعبيرها. وأوضحت أن أرشيفا هاما تم الاستحواذ عليه من طرف فرنسا أساسا بالإضافة إلى ألمانيا والولايات المتحدة، كما كشفت أن من الوثائق التي تم الحصول عليها تلك المتعلقة باتفاقيات ابرمت عام 1955 تتعلق باستغلال فرنسا لكل "خبايا الأرض" من نفط وملح وماء وفسفاط وغيرها من الاتفاقيات دون إلغاء هذه الاتفاقيات التي مازالت سارية المفعول وبشكل استعماري. وهذا تاكيد لواقع النهب المنظم للثروات التونسية بتواطؤ واضح من الطبقة الحاكمة منذ ما يعرف بالاستقلال حتى اليوم.

وينقل الناطق الرسمي لحركة وفاء عن أحمد بن صالح أنه بمجرد إعلامه بورقيبة باكتشاف حقل البرمة لم يلحظ على ملامحه أية علامة تشير لابتهاجه بهذا الخبر، بل إن ابتسامة باهتة ارتسمت بالكاد على شفتيه بشكل غريب... كانت ابتسامة بورقيبة مفتعلة ولم تكن أبدا تلقائية. وكلمة "بالكاد" تشير الى أن الخبر لم تهتز له سواكن بورقيبة ولم يكن له في نفسه الوقع والأثر الذي تستدعيه أهمية هذا الاكتشاف...

واليوم وبعد كشف الاتفاقيات المبرمة سنة 1955، والتي لازالت سارية المفعول الى حد اليوم بين بورقيبة وفرنسا الاستعمارية والتي تقضي باستغلال فرنسا "لخبايا الأرض" من بترول وفسفاط وملح وماء بامكاننا تفسير برود ردة فعل بورقيبة ازاء اكتشاف حقل البرمة. فالأمر سببه علم بورقيبة المسبق "بأحقيّة" فرنسا به بناء على الاتفاقيات التي أمضاها معها سنة 1955، كما تشير اليه الوثائق التي تحصلت عليها هيئة الحقيقة والكرامة..

لم يستطع المستشار الرئاسي معز السيناوي إنكار حقيقة غياب الشفافية في ملف النفط والغاز، واعترف بوجود تقصير إداري في توفير الشفافية المطلوبة في القطاع النفطي. وكانت دعوة الأمين العام للاتحاد الشغل نور الدين الطبوبي المتكررة إلى ضرورة اعتماد مبدأ الشفافية على كل الثروات الطبيعية الموجودة تأكيدا آخر على ذلك. من حق الشعب وقواه المدنية والسياسية أن يتساءل عن حقيقة ما يجري ومن واجب المسؤولين والمؤسسات المشرفة على هذا القطاع الحيوي أن تقدم الحقائق كما هي. فالحديث عن مسار انتقالي ديمقراطي يصبح بلا معنى دون اعتماد مبادئ الشفافية والحوكمة في كل الملفّات لكشف حجم هذه الثروة الطاقية وإلى أين تذهب عائداتها من أجل استثمارها في تنمية عادلة.
لا تضع بعض الشركات البترولية عدّادات لقياس إنتاجها وتحيط بمقرات هذه الشركات حراسة أمنية مشددة يصعب الوصول من خلالها إليها. وهذا بحد ذاته ضاعف الشكوك حول حجم الثروة النفطية والغازية في تونس. ورغم إعلان وزير الطاقة والمناجم نشر الوثائق التعاقدية لكافة السندات سارية المفعول في مجال المحروقات وعددها 82 عقدًا موزعة على 29 رخصة و53 امتياز استغلال، يشكك المطّلعون في تلك الأرقام التي تقدمها الحكومة، حيث أن عدد تلك العقود لا يتناسب مع حجم إنتاج المحروقات المُقدّر، حسب الإدارة العامة للمؤسسة التونسية للأنشطة البترولية، بـ47 ألف برميل نفط في اليوم و6.7 مليون متر مكعب من الغاز.
ينص الفصل 13 من الدستور التونسي على أن الثروات الطبيعية ملك للشعب التونسي، وتمارس الدولة السيادة عليها باسمه، وتُعرض عقود الاستثمار المتعلقة بها على اللجنة المختصة بمجلس نواب الشعب، ثم تقدَّم الاتفاقيات التي تبرم في شأنها إلى المجلس للموافقة. لكن لا أحد يعرف حقيقة حجم تلك الثروة، بعد أن تم حذف سطر من ذلك الفصل يوجب نشر تلك العقود في الإعلام الرسمي. ولا توجد بيانات رسمية وافية حول إنتاج تلك الشركات الأجنبية وعائداتها ونصيب الدولة منها ومصارف تلك العائدات.
ليست المطالب بضرورة تأميم الثروات الطبيعية مجرد ترف، بل لأن ذلك يحقق قبل شيء سيادة الدولة على ثرواتها. فالحكومات التي تستمر في الالتزام باتفاقات مرّت عليها عقود طويلة ولا تعرف حجم إنتاج الشركات التي وقَّعت معها تلك العقود وتمتنع عن نشر عائدات تلك الثروات لا يمكن الحديث عن تمثيلها لمطالب الشعب.
لقد أدى ذلك، إضافة إلى عوامل أخرى، إلى انحسار الدور الاقتصادي لتونس على الصعيد العالمي وتحوّلها إلى سوق مفتوحة للمنتجات الأوروبية، من خلال التبادل الحر غير المتكافئ. وأصبحت البلاد ورشة عمل صناعية للشركات الأجنبية وخزّانا لليد العاملة الرخيصة لصالح أنشطة المناولة الأوروبية. بل إنها باتت وجهة مفضلة للتجارة الموازية وتبييض الأموال والمنتجات المهربة. وهو ما فاقم العجز المالي والتجاري والمديونية وأنتج خضوعا غير مقبول لشروط صندوق النقد الدولي المجحفة..
يمكن لمطلب تأميم الثروات الطبيعية حل مشكلة التشغيل بصفة جذرية. فالثروة المتوفرة في البلاد، والكفاءات البشرية القائمة واللازمة لإدارتها يمكنها أن تخرجها من نزيف المديونية وهجرة الأدمغة واليد العاملة المتخصصة التي لم تجد سوى باب الهجرة لمواجهة أوضاع الفقر.
بل إن تلك السيادة على الثروات الوطنية يمكنها حل مشاكل البنية التحية من طرقات ومطارات وخدمات صحية ومدارس وجامعات ومعاهد مختصة ومراكز بحوث علمية..
لا تمثل السيادة على الثروات الوطنية هدفا بذاتها فحسب، بل لأن تلك الثروات يمكن أن تكون رافدا قويا للصناعات والأنشطة ذات القيمة المضافة والمرتبطة بتلبية الاحتياجات الأساسية من الحبوب والمواد الاستهلاكية والتجهيزات المرتبطة بصناعة النفط والغاز والزراعة والصناعات الأخرى المختلفة.. وهذا ما يسمح بتحويل فائض الثروات المادية والبشرية نحو الخارج.


من غير الممكن التخلص من الهيمنة الأجنبية دون قرارات سيادية جريئة تعيد للدولة حقها في التصرف في ثرواتها بالطريقة التي تحقق لشعبها حياة كريمة بعيدا عن الاستلحاق الاقتصادي الذي يجر وراءه دائما تبعيات متعددة علمية وثقافية وسياسية..

الثلاثاء، 27 فبراير 2018

فوكوياما: العرب والديمقراطية المستحيلة!





قاسم شعيب


يستمد فرانسيس فوكوياما، القادم من مطبخ الخارجية الأمريكية، أهميته من قوة بلاده ومن الكمّ الهائل من المعلومات المتوفرة لدى وزاراتها، وأجهزتها المختلفة، ومؤسساتها المتنوعة. وهو ليس فيلسوفا بالمعنى التقني، بل مجرد موظف سام احترف الكتابة السياسية، ويملك وجهة نظر تتضمن نظرة استشرافية خاصة للمستقبل، ولكنها تتضمن أيضا عناصر تتبناها الإدارة الأمريكية وتمثل أجندات يتم العمل عليها، وهو ما نستطيع أن نلمحه من خلال مسار الأحداث ومن خلال تصريحات السياسيين الأمريكيين. ومع ذلك نحتاج إلى قراءة أفكاره بشكل نسبي وفي اتجاهات متعددة.
كان مدير مركز "تطور الديمقراطية وحكم القانون" في جامعة ستانفورد يعتبر أن الديمقراطية ليست وجبة سريعة يمكن الحصول عليها في وقت محدود، بل هي مسار طويل. والمثال الذي يقدمه فوكوياما هو ثورات 1848 فيما عرف بـ"الربيع الأوروبي" الذي استغرق 70 سنة كي يتماسك ويثمر. ويؤكد ذلك ما يشهده العالم اليوم من ركود ديمقراطي وتحلل قيميّ واسع حتى داخل العالم الغربي نفسه بعد توسع الإرهاب وتقلص الحرّيات الفردية.
لكن ما يمثل مفارقة كبرى إلى درجة الانفصام هو حديثه، في محاضرته الأخيرة في دبي، عن ما سمي بـ"الربيع العربي" واستحالة أن ينتج ديمقراطية حقيقية ما عدا المثال التونسي الذي قال إنه سيكون وحده من إفرازاته الإيجابية. كان الرجل يتحدّث عن حتمية الديمقراطية وضرورة تعميمها ولو بالقوة ولكنه اليوم يتراجع نحو ليقول باستحالة ذلك!
من الممكن أن يكون فوكوياما قد راجع فكرته وتبيّن له أن الديمقراطية تحتاج قبل كل شيء أسسا فكرية وثقافية هي مفقودة اليوم لدى غالبية العرب الذي لا يزالون يرابطون داخل منظومة من القيم التقليدية التي لا يمكن الفكاك منها بتلك السرعة التي يتخيلها الكثيرون. غير أننا لا نميل إلى ذلك بقدر ما نرى في كلامه انكشافا للمخطط الأمريكي الأوّلي الذي استخدم الديمقراطية شعارا للمخاتلة والخداع. فما نراه هو ضمور الديمقراطية واستفحال الممارسات الأمريكية الخالية من أية قيم تجاه الشعوب الأخرى بسبب تركيزها على افتعال الحروب ورعاية الإرهاب ونهب الثروات..
حاول فوكوياما، في البداية، الربط بين الديمقراطية و"الربيع العربي"، متجاهلا مسارات أخرى في أكثر من بلد عربي ومسلم، قبل أن يطلق فكرته عن استحالة إنتاج "الربيع العربي" لديمقراطية. قد نقرأ في ذلك انكشافا للأهداف الأمريكية الحقيقية. ففي البداية تحدثوا كثيرا عن ترويج الديمقراطية في العالم العربي. واليوم تبدّل الخطاب بعد أن حصل التغيير في أكثر من بلد عربي. تم إدخال العرب في حروب داخلية مفتعلة، وبدأ فوكوياما بالحديث عن استحالة الديمقراطية في العالم العربي. وهذا ما يفسر التناقض الظاهري مع فكرته السابقة التي تؤكد عن حاجة الديمقراطية للوقت الكافي حتى تنضج.
بإمكاننا أن نقرأ موقفا أمريكيا من خلال كلمات فوكوياما. فهناك دائما مساران؛ الأول فكري تنظيري، والثاني سياسي عسكري يضبطان السلوك الأمريكي وأهدافه. وعندما يتعلق الأمر بالعرب فإن الهدف الأول هو الهيمنة والإعاقة لمنع أي تقدم عربي في أي مجال من المجالات حتى لو كانت الحروب والإرهاب هي وسائل تلك الإعاقة. ليست المسألة فقط نظرة سلبية للعرب، بل هي بالأساس قرار بمنعهم من تحقيق أي شيء لأن أية نهضة عربية حقيقة تمثل خطرا مؤكدا على الهيمنة الأمريكية والكيان الذي ترعاه في المنطقة.
يستثني فوكوياما تونس من هذه الرؤية ويرى أنها البلد الوحيد من بلدان "الربيع العربي" الذي أنتج ديمقراطية. قد تبدو هذه نظرة واقعية وإيجابية لا ينفرد بها وحده. لكنها تبقى رؤية من الخارج. والذين بإمكانهم تقييم الواقع هم الذين يعيشونه من الداخل.
بعيدا عن العواطف، يتساءل المهتمون في تونس عن إمكانية الحديث عن ديمقراطية في بلد بات يعيش على أموال قروض البنوك الدولية، ويستشري فيه الفساد، ويُعفى فيه الفاسدون من المحاسبة، وتتجاوز نسبة الأمية فيه 22%، وترتفع نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر إلى 31% حسب تقرير البنك الدولي، ويلاحق فيه مدوّنون، ويُضيَّق على الأحزاب الصغيرة، ويُخترق فيه أمن البلد من مخابرات دول معادية دون محاسبة جديّة للفاعلين..
صحيح أن تونس تملك نقابات قوية وحدّ أدنى من الحماية الاجتماعية، لكنها لم تصل إلى مرحلة "التصنيع" التي تسمح لها بدعم نموذج ديمقراطي على المدى الطويل. وهي تحتاج إلى قطاع خاص قوي وناجع بعيدا عن هيمنة الشركات الكبرى، والتشريعات المضرّة بالقطاعات العمومية، و"الاصلاحات" المملاة من البنوك الدولية، التي يدعو لها المحاضر الأمريكي.
تستند قراءة فوكوياما إلى ظاهر المشهد في تونس، وهي لا تلامس الواقع الحقيقي أو أنها لا تريد. فالحديث عن ديمقراطية حقيقية، كما يقول، مجازفة لا تؤيدها القرائن. والأوْلى الحديث عن خطوات على الطريق فحسب. ما يوجد في تونس هو توافق سياسي بين طرفين قويين على تقاسم الحكم في بلد كان يحتكر فيه السلطة حزب واحد قبل أكثر من سبع سنوات. وانفراط عقد ذلك التوافق وانقلابه إلى صراع يبقى شيئا وردا وقادرا على تهديد كل شيء في البلد. فهو ليس توافقا أيديولوجيّا ولا تاريخيّا بل مجرّد توافق سياسي آني وهش.
لا شك أن فوكوياما يعرف أن من يحكم في تونس اليوم هو ائتلاف بين "المنظومة القديمة" ممثلة في حزب نداء تونس و"الإسلام السياسي" ممثلا في حركة النهضة. ورغم اعترافه أن مستقبل "الإسلام السياسي" في المنطقة غير واضح حاليا، لأن ظروفا خارجية هي التي تتحكم به، إلا أنه يصرّ على الحديث عن ديمقراطية حقيقية في المثال التونسي.
هذه الأفكار المنقحة تبدو انقلابا جزئيا ونوعيا على الأفكار التي تضمنها كتابه حول "نهاية التاريخ والإنسان الأخير"، لا سيما ما يتعلق منها بالطابع الحتمي للديمقراطية. والذي يبدو هو أن المقصود بالعولمة كان عولمة الإرهاب والحروب، وليس الأمن والرفاه والحرّية. يبدو أن الديمقراطية كانت مجرّد شعار رُفع ولا يزال لاختراق المجتمعات العربية وتمرير أجندات أمريكية أكدها الآن فوكوياما دون قصد.


الاثنين، 26 فبراير 2018

الغنوشي يُقلِّد أردغان!

























 قاسم شعيب


كشفت عملية الإطاحة بـ"شبكة التجسس" التي صدمت الرأي العام في تونس أن البلاد باتت تواجه اختراقات ومخاطر حقيقية تحتاج معالجة جديّة بعد تعرض كثير من السياسيين والناشطين للاغتيال بدءا بالنائبين عن الجبهة الشعبية شكري بلعيد ومحمد البراهيمي ووصولا إلى المهندس محمد الزواري الذي اغتاله الموساد قبل عام، كما أكّدت حركة حماس، وبعد أن أصبحت أسرار الدولة مهدّدة.
هذه الشبكة، التي كشفت عنها "صحيفة الشروق" إحدى أكثر الصحف التونسية انتشارا، يقودها الفرنسي اليهودي جان جاك ديميري منذ 2011 حتى الآن، وقد تم منعه من السفر مع شريكه التونسي معز جودي. لم تعد القضية مجرد خيال بعد أن أكد المكلّف بالشؤون السياسية لحركة نداء تونس برهان بسيّس ذلك حين قال إن "المشرف على الشبكة، وهو رجل أعمال فرنسي، اخترق مستويات الحكم العليا في تونس منذ 2011 إلى 2017 وتمكن من تجنيد شخصيات سياسية من أعلى مستوى كانت تمدّه بكل ما يجري في أعلى مستويات القرار السياسي في تونس سواء في قرطاج أو في القصبة ومر من التجنيد من أجل الحصول على المعلومة الأمنية والسياسية إلى التجنيد من أجل الفعل في الحياة السياسية في تونس مساهما في نشأة وتأسيس بعض الأحزاب السياسية".
لكن الجهات القضائية لا تريد الاعتراف بحقيقة القضية في عمقها الاستخباراتي، وهي تحاول لملمتها واعتبارها قضية فساد مالي وشراء ذمم سياسية وليست تجسسا بالمعنى الأمني والعسكري، كما قالت النيابة العمومية. لا يقلل ذلك أبدا من خطورة ما حدث، لأن تغيير عنوان القضية من "التجسس" إلى "الاختراق الاقتصادي" بواسطة المال الفاسد، شجّع الاتحاد الأوروبي على إعادة تصنيف تونس من جديد بلدا لتبييض الأموال ودعم الإرهاب بعد أن سبق ووضعها على اللائحة السوداء للتهرب الضريبي في محاولة لمواصلة الضغط على الحكومة، من أجل أن تقبل بشروطه في المفاوضات الجارية منذ فترة، لإبرام اتفاق التبادل الحر الشامل الذي يهدف إلى اندماج كلي للاقتصاد التونسي في الفضاء الأوروبي، بما في ذلك القطاعات الأكثر حساسية.
تزامنت أخبار الاختراق السياسي والتصنيف الأوروبي مع إصرار البرلمان الذي تملك فيه حركة النهضة الكتلة الأكبر على منع تمرير قانون تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني. وهو ما طرح أسئلة جدّية حول حقيقة الضغوط التي تخضع لها الطبقة الحاكمة لمنع تمرير هذا القانون.
يشعر أكثر التونسيين اليوم أن الحاجة باتت مُلحّة لسنّ قانون يجرّم التطبيع مع الكيان الصهيوني من أجل غلق كل الأبواب أمام توسّع دائرة الاختراقات السياسية والثقافية والأكاديمية وحتى المالية المضرة بمصلحة البلاد، كما حدث أخيرا.
لكنهم لا ينتظرون من هذه الحركة أن تفعل ذلك. تسير حركة النهضة على خطى أردغان البراغماتية في سياسته الخارجية. وتحاول بكل الوسائل تبرير منع تمرير قانون تجريم التطبيع، لتقول، مرة، إن ذلك من مشمولات الرئاسة التي تتدخل لمنع التطبيع، ولتتحدث أخرى عن مصالح البلاد والضرر الذي يلحقه سن مثل هذا القانون بها..
وبسبب مواقف حركة النهضة، التي لم يشعر التونسيون أنها منسجمة مع شعاراتها ووعودها الانتخابية، لم يتوقف الإعلاميون والمثقفون والنشطاء السياسيون عن نقد سلوكها وهو ما أزعج رئيسها السيد الغنوشي الذي هدّد برفع قضايا ضد كل من يتعرّض لحركته بالنقد ملوّحا بخطر الحرب الأهلية إذا استمر التحرش بها.
من الواضح أن رئيس الحركة هو الذي يمسك بقرارها السيّاسي ويقف وراء البيان الذي يلوّحُ بمقاضاة صحافيين ووسائل إعلام، وقد تأكد ذلك بعد تصريحه التصعيدي. لكن ذلك قد يخفي محاولة لجر الساحة السياسية والإعلامية إلى معركة يخطط لها الرجل أسابيع قليلة قبل الانتخابات المحلية.
لا تريد حركة النهضة أن تستمر لاعبا هامشيا في المشهد السياسي بعد استشعارها نوايا حزب نداء تونس فك تحالفه معها، مستفيدا من أجواء التنافس التي تسبق الانتخابات، والتي تسمح بالتفلُّت من التحالفات القائمة والبحث عن أية ثغرات لدى المنافسين من أجل إبرازها. بل إن المشهد الانتخابي قد يمثل فرصة لانفراد الحزب المنتصر بالحكم بعد أن استمرّت السلطة ائتلافية حتى الآن.
ربحت حركة النهضة سلامتها واستفادت من تجربة الإخوان المسلمين في مصر من خلال خياراتها السياسية البراغماتية وتحالفها مع نداء تونس، غير أنها في المقابل خسرت الكثير من أنصارها وقياداتها، ومنهم قيادات من الصف الأول مثل حمادي الجبالي أمينها العام السابق، وسط اتهامات لها بأنها تخلّت عن مبادئها الأساسية وشرعنت لعودة المنظومة القديمة إلى الحكم.
من الممكن أن تكون بوصلة حركة النهضة متّجهة بدورها إلى فك الارتباط مع نداء تونس لأن ذلك سيعفيها من تبعات الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي ساعدت على توسّعها من خلال مصادقة كتلتها في البرلمان على قانون المالية الذي تسبب في اندلاع احتجاجات.
اعتقدت النهضة أن الجلوس في المقعد الخلفي وترك السلطة لنداء تونس يعفيها من المساءلة والنقد. غير أن ذلك لم يحدث. والذي حدث هو أنها تحملت أكثر من غيرها النقد إلى الدرجة التي أقلقت قياداتها. نُظر إليها ليس فقط على أنها شريك في الحكم، ولكن أيضا على أنّها شريك في كل أزمات البلاد.
فهم خصوم النهضة شيئا حين تحدّث الغنوشي عن وجود خطر حرب أهلية يهدد البلد، غير أن رسالته وصلت إلى مؤيدين ومتعاطفين مع حركته ممن ابتعدوا عنها منذ أن اختارت النهج البراغماتي وتحالفت مع المنظومة القديمة وحاولت طمأنة الجهات الأجنبية ذات المصالح في تونس.
تحاول الحركة ترقيع امتناعها عن تمرير قانون تجريم التطبيع بخطاب تخويفي من المستقبل لتحميس الأنصار والبدء بحملة واسعة لضمان الفوز في الانتخابات المحلية بنسبة مُرجِّحة، بعكس المرّات السابقة التي قيل فيها أن النهضة لم تكن تريد اكتساح البرلمان حتى لا تحتكر المشهد السياسي ويتسبب ذلك في استنفار القوى المنافسة.
هل للأمر علاقة بالمزاج الدولي والإقليمي تجاه "الإسلام السياسي"؟ وهل تريد حركة النهضة أن ترد على الاتحاد الأوروبي الذي وصفها أنها فرع للإخوان المسلمين؟ يبدو ذلك. فالغنوشي ربما بات يشعر أن تنازلاته السابقة وأسلوبه البراغماتي لم يُجْدِ نفعا وأن الغربيين لم يعودوا متحمسين لإشراك "الإسلاميين" في الحكم.
ولأجل ذلك تريد الحركة أن تثبت قوتها الجماهرية وأنها لا تزال الحزب السياسي الأقوى والأكثر تنظيما في البلاد. ومن المهم، لتحقيق ذلك الهدف، وضع ما يمكن من أوراقها الرابحة فوق الطاولة، ومن ذلك إعادة قواعدها وأنصارها الغاضبين إلى حضنها لمحاولة تدارك الفشل في اختراق الجبهة الداخلية وإقناع الجهات الخارجية.  
ويبقى السؤال: هل يمكن للحركة استعادة ثقة الناس فيها بعد كل التنازلات التي قدمتها على حساب شعاراتها وتعهداتها القديمة؟ وإذا أمكن لها ذلك، هل يمكنها أن تواجه العواصف الغربية الداعية الى شرعنة ظواهر مرفوضة أو غريبة عن المجتمع مثل السدومية المثلية وتعاطي المخدارات الخفيفة كالقنب الهندي والمساواة المطلقة بين الجنسين؟ ألا يمكن لقيادات النهضة أن تستفيد من المثال التركي الذي بقي ممنوعا من عضوية الاتحاد الأوروبي ويجد نفسه اليوم في صراع مع القوى الغربية رغم كل التنازلات التي قدمها والإملاءات التي قبِل بها في الخيارات الاقتصادية والتشريعية وحتى الثقافية؟..


الثلاثاء، 6 فبراير 2018

أي تنوير نحتاج؟






قاسم شعيب


التنوير كلمة جميلة استخدمها الأوروبيون لوصف مشروعهم الفكري والعلمي الذي قدّمه فلاسفتهم ومثقفوهم للقطع مع ثقافة القرون الوسطى التي وُصِفت بالمُظْلمة. أمكن للغرب أن يؤسّس لرؤية سياسيّة جديدة تفصل بين الدين والسياسة كما أطلق ذلك الفيلسوف الهولندي اسبينوزا منذ القرن السابع عشر.
وبعد اسبينوزا، جاء روسو وفوتير ومونتسكيو الذين عمّقوا الفكرة وصنعوا لها أجنحة لتصل إلى أوروبا ومنها إلى العالم كله. لم تكن مشكلة الإنسان الأوروبي مع الدين ذاته بقدر ما كانت مع رجال الدّين والمشتغلين به. فالدّين عندما يكون مُحترِما للعقل وناشرا للقيم ومحبا للإنسان لا يمكن لأحد الوقوف ضده.
وإذا كان الغرب قد نجح في صناعة حضارته وبسط هيمنته على العالم فإن العرب بالمقابل لا يزالون في ذيل قائمة الأمم بعيدين عن كل تنوير أو تقدم أو إنجاز حقيقي، بعد ثلاثة قرون من إقلاع الغرب وتحقيقه لكثير من المنجزات العلمية والتكنولوجية والفكريّة والفنيّة، وإفادة أمم كثيرة من تلك الفتوحات..
من المؤكد أن ذلك ليس ناتجا عن بنية العقل العربي ولا عن معطى طبيعي يقضي بتخلف ذلك العقل كما يريد البعض القول، ولكنه ناتج بالأساس عن عوامل متعددة تجمّعت لتجعل من الواقع العربي على هذا المستوى من السوء.
انخرط الكثير من المفكّرين العرب في موجة الفكر الحداثي واعتبر بعضهم أن الحضارة الغربية نموذج يجب أخْذه كلّه ولا يجوز تقطيعه والاكتفاء بجوانب محددة منه. بينما رفضه آخرون ورأوا فيه فكرا ماديا فاسدا لا يَصلُح ويُصلِح.
لكن هاتين النظرتين خاطئتان. ثمة جوانب متعددة في كل حضارة منها ما هو علمي حضاري ومنها ما هو ثقافي ديني. وليس مطلوبا من أية أمة أن تتخلى عن دينها وثقافتها لتفيد من الآخر علميا أو حضاريا لتحقق تقدمها. إننا نرى، مثلا، اليابان كيف استطاعت أن تتقدم في أنظمتها السياسية والتعليمية والثقافية دون أن تتخلى عن دياناتها البوذية والشنتوية.. لم يصبح اليابانيون مسيحيين حتى يتقدموا ولم يحاربوا دينهم حتى يخرجوا من تخلّفهم. كل ما فعلوه هو التفكير بطريقة واقعية تحقق لهم أهدافهم.
لا يزال العرب خارج زمن التنوير بكل معانيه. وهم يحتاجون إلى الاتفاق على حزمة من القيم تكون مولدة لطاقة الدفع نحو الأمام. فمثلا لا يزال العقل في سبات، وهو لا يحكم. والذي يحكم هو مصالح ضيقة وأهواء شخصية وغرائز طائفية.. وما طرحه مفكّرون كثيرون بقي حبيس الكتب ولم يتحوّل إلى مشروع نهضة، بعد أن غلب على العرب الاستبداد ولم يتم بناء الدولة الحرّة والكريمة التي تبني مؤسساتها المنتخبة بعيدا عن التبعية للأجنبي وفساد الداخل.
لا يشكّل الإسلام عائقا أمام أية نهضة عربية حقيقية. غير أنه يحتاج إلى قراءة قيمية جديدة من خلال العودة إلى نصوصه الأساسية الموثوقة، من أجل اكتشاف جوهره الحقيقي بعيدا عن التاريخ الذي كتبه مثقفو السلطان باسمه. ليس العائق قائما في الدين الذي يؤمن به الناس بل إنه يوجد هناك في الواقع الخارجي، لدى الطبقة السياسية ومجموعات المثقفين والأكادميين المحيطين بها. فهؤلاء فشلوا في تغيير أساليب تفكيرهم المتمحورة حول ثلاثية الفرد والحزب والطائفة.
لا يزال الحاكم سجين نرجسيته الذاتية ومصالح الحزب والطائفة والجهة حتى وإن ادّعى عكس ذلك. ولم يتمكّن من كسر هذه الزنازين الثلاثة. أما مشاكل التطرف والإرهاب والطائفية فليست إلا صناعة سياسية تم اختراعها لتسهيل التحكم في الشعوب.
لا تكاد توجد رؤية تنويرية متكاملة تطرح نفسها بقوة اليوم في العالم العربي. وما هو موجود لا يزيد، غالبا، عن محاولات لطرح أفكار لم تتحوّل إلى مشاريع. يبقى التنوير مشروعا للمستقبل. وما لم يتوفر المشروع التنويري المتكامل والطبقة السياسية التي تحمِله في عقلها وتتحّمل مسؤولية تحقيقه في الواقع، فإن العرب سيبقون يراوحون مكانهم.
يتحدث المتفائلون عن وجود ثقافة تنويرية أصبحت راسخة وعميقة الجذور في العالم العربي. ويقولون إن محاولات إبداعها أو استنباتها في الأرض العربية مجرّد عبث إيديولوجي لا يفعل شيئا سوى إرباك الواقع. لكن هذا مجرّد وهم. فما نراه هو تراكم للجهل في مكان وانكفاء إيديولوجي وطائفي في مكان آخر.
لا تزال الثقافة التنويرية العاقلة التي تُجَلّي القيم وتحترم الإنسان حبيسة عقول قلّة من المثقفين. وما نحتاجه هو إخراج هذه القلة من غربتها وإعطاؤها ما تستحق من حرية ودعم من أجل إيصال ثقافتها وقيمها التي تلتزم بها إلى الناس، بعيدا عن فئة الانتهازيين والمخادعين. ولا شك أن هذه مهمة عسيرة سيكون تحقيقها شيئا جميلا.
انخدع الكثيرون بسبب ما حقّقته الطفرات النفطية من انخراط في التوجهات الاستهلاكية، والتواصل السيبرنيتيقي مع العالم، فظنّوا أننا نعيش مرحلة تنوير وحداثة عربية فاقعة كما يعيشها الغربيون. إنّ ذلك مجرد خيال. وحتى ما نراه من إنتاج فكري وأدبي لا يزيد، في الغالب، عن مجاراة لما ينتجه الغربيون.
بل إن العرب لا يمكنهم أن يثقوا كثيرا بالتنوير الغربي الذي يخضع هذه الأيام لمراجعات قاسية يقودها فلاسفة ومفكرون باتوا مقتنعين أنه فكر تسبب في كثير من الكوارث وأشعل الكثير من الحروب، وأن الشعارات التي رفها حول الحرية والحقوق تحمل نقيضها. لم يكن ذلك التنوير كاملا ولا شاملا بل كان محدودا في الجغرافيا والأفق. كان الفلاسفة الأوروبيون يؤكدون على مصالح الإنسان الغربي ولم يكن الإنسان في عمومه همّا لهم. ولأجل ذلك تم الربط بين الحقّ والقوّة كما فعل هيغل ونيتشه. فالقوي عندهما هو صاحب الحق.
بل إن قدرا كبيرا من التعصّب والخرافة والأساطير الدينية لازال يحكم العقل الغربي. وقد أكد ذلك المفكر الألماني هارالد موللر في كتابه "تعايش الثقافات" حين قال: "حتى اليوم ما يزال التزمت الدّيني، والمعتقدات الشعبية، والخيالات الدينية تتربص بكثافة شديدة تحت القشرة العقلانية لمجتمعاتنا"، و"رفض الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان موجود في حضن تاريخنا الخاص. وهذا يعني أيضا في وسط مجتمعنا الحالي".
لم يحسم الغرب أمره لصالح تنوير كامل ونهائي. وهذا شيء مرتبط جزيئا بماهية ذلك التنوير الذي لم يكن تفكيره علميا وعقلانيا بالضرورة، بقدر ما كان نفعيا وانتهازيا في أحيان كثيرة. ولأجل ذلك ظهر تيار ما بعد الحداثة الذي هاجم شعارات التنوير والعقلانية والعلمانية.. واعتبرها مخادعة وكاذبة. ودعا، بوضوح، إلى تنسيب الحقيقة والقيم في الفكر والمعرفة، واحتفى كثيرا بمركزية السوق وهينته في الاقتصاد.
لم يكن المفكر الفرنسي من أصل جزائري محمد أركون مخطأ عندما اعتبر أن عقل التنوير تجمّد في مرحلة لاحقة بعد أن استنفذ طاقته الروحية والأخلاقية وتحوّل إلى عقل توسّعي كما في تجربة الاستعمار وإلى عقل دغمائي في فرنسا بشكل خاص.
وهذا كله يؤكد الحاجة إلى بناء رؤية تنويرية ذاتية تحتفي بالعقل القيمي ولا تهمل المعطى الديني والثقافي القائم من أجل تحريره وتطهيره وتثويره ليكون المنصّة التي تنطلق منها أية نهضة قادمة.




الاثنين، 5 فبراير 2018

ماكرون وعسل إفريقية








قاسم شعيب



إفريقية هو الاسم القديم لتونس. أعطته للقارة السمراء وأخذت هي اسم عاصمتها. يعرف ماكرون ذلك وهو يريد الآن أن تكون تونس بوابته إلى إفريقيا التي يزور بعض بلدانها هذه الأيام.
يخطئ من يظن أن فرنسا تخلّت عن إرثها الاستعماري وباتت تفكّر بطريقة براغماتية قائمة على تبادل المصالح مع الآخرين بعيدا عن أوهام السطوة الثقافية. لم يكن خطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أمام البرلمان التونسي خاليا من النزعة البراغماتية الممجّدة لقيم الأخوة الإنسانية والصداقة العميقة. غير أنه لا أحد يصدق أن ذلك يلامس العمق بسبب الرصيد الاستعلائي الذي عكسه التركيز اللافت على التبشير بالفرنكفونية من جديد واعتبار تونس قاعدة جديدة لتعليم الفرنسية.
يعلم ماكرون، قبل غيره، أن تلك اللغة تراجعت كثيرا على مستوى العالم ولم تعد لها أهمية العقود الماضية بعد أن أصبحت الإنجليزية لغة العلوم الطبيعية والإنسانية على السواء، وبعد أن أصبح الجامعيون الفرنسيون يتعلمون الإنجليزية إذا أرادوا ملاحقة كل جديد، وبعد أن ابتعد الشباب التونسي عن الفرنسية ولم يعد يجيد أكثر من بضعة كلمات من هذه اللغة. وهو يريد إعطاءها قوّة دفع جديدة.
 ما يهم فرنسا في تونس ليس مساعدتها على ترسيخ الديمقراطية كما قال ماكرون ولا مد يد العون لها للخروج من مأزقها الاقتصادي المستفحل. ما يهمها هو فقط مصالحها الاقتصادية وسطوتُها الثقافية. فهذه الدولة التي كانت لزمن قريب إحدى أكبر إمبراطوريتين في العالم تجد نفسها اليوم متراجعة على أكثر من صعيد. وباتت تعاني أزمة اقتصادية مستمرة وتأثير ثقافي باهت في مستعمراتها الإفريقية القديمة التي لم تعد تحمل الحماس نفسه للثقافة الفرنسية.
تشعر فرنسا أن اقتصادها وثقافتها باتت مترنحة أمام الهيمنة الواسعة للقوى الكبرى مثل أمريكا والصين والهند، وهي تحاول التمسك بخيوط التاريخ للاحتفاط بالحاضر. غير أن ذلك لا يسعفها إلا في دول لا تزال خاضعة لنمط حكم قديم لم يلحظ بعد التطورات الدراماتيكية في العالم.
تستخدم قوى كثيرة اليوم قوتها الناعمة في اقتحام ساحات عالمية جديدة سواء من خلال الإيديولوجيا أو الثقافة أو الاقتصاد. فهذه الأشكال الجديدة للتوسع تستغني عن القوة الصلبة التي لجأ إليها الأوروبيون سابقا وتفقد اليوم نجاعتها.
يريد ماكرون أن يجعل من تونس بوابته الجديدة على إفريقيا، ولذلك تم اختيارها لتحتضن قمة الفرنكفونية القادمة. وهو يعرف أنها باتت البلد الذي يحدِّق به الجميع؛ أمريكيون وروس صينيون وأتراك وخليجيون.. فهي لا تزال أرضا بكرا، وهي أيضا قريبة من ليبيا الغنية بثرواتها والجزائر الواسعة والنائمة وسط الصحراء.
ولعل الجميع أصبح يرى في تونس المكان الذي يحمل رمزية "الثورة" والتجربة "الديمقراطية" الانتقالية ومنظومة "الحقوق والحريات الجديدة"، فهذا كله يجعل لها تأثيرا معنويا على جاراتها ويمكن أن يكون ذلك رصيدا إيجابيا لتكون واسطة اقتصادية وثقافية.
لكن ذلك كله يصطدم بحقيقة الأزمة الخانقة التي تواجهها تونس ليس في الاقتصاد فحسب، بل أيضا في مجالات التعليم والثقافة والاجتماع. فالبلد يعيش ترنّحا اجتماعيا لا تخطئه العين وتذبذبا ثقافيا غير مسبوق بين تيارين أحدها يدفع نحو الارتماء بالكامل في أحضان التحلل الهوياتي والتنكر للغة العربية والانقلاب على القيم الدينية، والآخر يرفض ذلك كله ويتمسك بلغة البلد العربية وثقافته الاجتماعية وانتماءه الديني.
والمساعدات الماليّة الأوروبية أو الفرنسية لا يمكنها تقتلع البلد من محيطه وانتمائه ولا أن تنقذ الاقتصاد من أزمته. بل إنها كرّست تلك الأزمة وعمّقتها لأن الهدف لم يكن تقوية الاقتصاد بل فقط إطالة عمر المأزق لضمان استحكام الهيمنة وتأمين المصالح الاستراتيجية لفرنسا وأوروبا في تونس.. حاول الأوروبيون إخراج المسألة كما لو أنها إصرار على مساعدة تونس على مواجهة تداعيات المرحلة الانتقالية وقال ماكرون إن "الفشل التونسي هو فشل لفرنسا". وقد استطاعوا بالفعل خداع قطاع واسع من التونسيين البسطاء أو من أولئك المريدين لها.
خطب ماكرون أمام البرلمان الذي يسيطر عليه حزبان يتحملان المسؤولية عن استفحال الأزمة الإقتصادية وتزايد المديونية وتعمق المأزق الإجتماعي.. وحاول استمالة الحاضرين بكلمات مموِّهة صفق لها النواب.
تبحث فرنسا عن مصالحها وتريد تقوية اقتصادها وتعميق هيمنها الثقافية. والمسؤولية يجب أن يتحملها التونسيون سلطة ومعارضة، الطبقة السياسية والمجتمع المدني. فهؤلاء هم المؤتمنون على مصالح البلد وشعبه. وهم المسؤولون على حماية الدستور الذي توافقوا عليه والذي ينص على حماية مصالح الناس وحقوقهم والمحافظة على ثقافة الشعب وقيمه.
وزّع ماكرون الكثير من الحلوى على الحاضرين فتحدث عن حضارة قرطاج الرائدة وأشار إلى تحرير العبيد في تونس قبل فرنسا واستذكر ثورتها ولم ينس دغدغة مشاعر البعض عندما ذكر القيروان العاصمة الإسلامية.. وعندما كرّر سردية الاسلام الذي يتوافق مع الديمقراطية..
أكل أكثر النواب تلك الحلوى وأبدوا الكثير من الرضا على خطاب عرف صاحبه كيف يرمي وروده. لكنه نسي أن تلك الطبقة التي خاطبها لن تبقى في مكانها إلى الأبد وأن الأقوال وحدها لا تصنع الواقع بل يحتاج الأمر إلى الأفعال.
تبدو المساعدات المالية الضئيلة التي أعلن عنها ماكرون مجرد فخ نصبه مقابل حماية أمن فرنسا من خلال منع الهجرة السرية التي باتت تصدع رؤوس الفرنسيين خصوصا والأوروبيين عموما. فالفرنسيون يعتمدون سياسية تريد منع الآخرين من الاستفادة من ثروات حصلوا عليها بواسطة عقود خفية وغير منصفة مع حكومات دول إفريقية كثيرة. وهي سياسة لا يرفضها التونسيون والأفارقة فحسب بل يرفضها أيضا كثير من المثقفين الفرنسيين.

فقد انتقد الكاتب الفرنسي لوكليزيو، مثلا، كل المبررات التي تستند إليها الحكومة الفرنسية للدفاع عن سياستها غير مقبولة. لا يمكن نفي أن فرنسا دولة غنية بفعل ذهب إفريقيا ونفطها، وهي تتمتع بإمكانيّات كبيرة في المجال التكنولوجي الذي ساهم فيه شباب عرب وأفارقة. وبإمكانها، لذلك، أن ترد شيئا من تلك الثروة إلى طالبي الهجرة لكي يستفيدوا منها وهم الذين يعانون لكسب لقمة عيشهم، واستعادة قواهم، وتمكين أطفالهم من مستقبل أفضل، ومداوة جراحهم، وإنعاش الأمل مجددا. 

الثلاثاء، 23 يناير 2018

آل سعود والمؤسّسة الدينية: تبدّلات السِّياسة وانقلاب الفتوى






قاسم شعيب


عاش مجتمع الجزيرة العربية ومِن ورائه كل الجغرافيا السلفية، منذ أكثر من قرن من الزمان، داخل سياج ديني مُغلَق. قصص كثيرة تُروَى عن معاناة أشخاص بسبب فتاوى شيوخ وهّابيين متشدّدين. في مرحلة ماضية كانت الفنون والتكنولوجيا الجديدة ونقد السلطة والكثير من النظريات العلمية مُحَرَّمة. وبعض تلك المُحرّمات لا يزال مستمراً حتى الآن.
قائمة المُحرّمات في المملكة السعودية ثلاثة أصناف. الأول اجتماعي والثاني تكنولوجي والثالث سياسي. لكن تلك الفتاوى المُحرِّمة لكل جديد ازدادت حِدّة وتواتراً منذ ثمانينات القرن الماضي. وهي اليوم تنقلب من الحرمة الى إباحة. في بداية الثمانينات، انتشرت الفتاوى المُتشدّدة مع ظهور “تيار الصحوة”. وأصبحت محاضراتهم وكتبهم تُباع بالملايين وهو ما عكس مزاجاً شعبياً عاماً تم توظيفه في هذا الاتجاه.
منذ نشأة الدولة السعودية الأولى عام 1744 بدأ التحالف الذي قام بين شخصيّتين هامتين هما: محمّد بن سعود، مؤسّس العائلة الحاكِمة، ومحمّد بن عبد الوهاب، مؤسّس المذهب الوهّابي، وقد رسمت العلاقة بين الرجلين المسار التاريخي للدولة السعودية.
كانت هناك، منذ البداية، نزعة جامِحة لغلق كل المنافذ أمام المجتمع ليغدو منفصلاً عن الواقع الذي يعيش فيه. جسده في هذا الزمان وروحه معلّقة في التاريخ. لم يستثن تحريمهم شيئاً مهمّاً من الحياة المُعاصرة. حرّموا التلفزيون، والتلفون المزوَّد بالكاميرا، والسفر للسياحة، والخروج للنزهة، والاقتراب من المرأة، وقيادة المرأة للسيارة، واستقبال البثّ الفضائي.. حتى الورد الأحمر بات مُحرّماً، لأن إهداءه تَشبّه بعادات “الكفار”، والقصص والقصائد لأنها خليعة، وشبكة الإنترنت لأنها تقود إلى الفساد.
يتعلّق هذا الجانب بحياة الناس العامة. وهو يمثّل انعكاساً لتصوّرات بسيطة تملك، من ناحية، رؤية جامدة للعالم وللواقع، وتحيل، من ناحية أخرى، إلى بساطة التجربة المُنغلقة والمحدودة بحدود واقعها الخاص. وقد تم تجاوز ذلك في فترة الستينات والسبعينات. لم تعد التكنولوجيا حراماً وسُمِح بظهور الفنون. إلا أن عودة التشدّد الديني بقوّة منذ أربعة عقود أرجعت الأمور إلى المربع الأول.
كان لابد للتشدّد الديني الذي مارسه شيوخ الوهّابية من أن ينتج انفجارات متتالية بدأت سنة 1979 عندما قرّر جهيمان العتيبي قيادة تمرّد ضد سلطة آل سعود. كانت فرصة لتحريم التظاهرات، وفَرْض نسق من التشدّد الصارِم على المجتمع اعتماداً على قاعدة فقهية استخدمت في غير محلها لمحاصرة حياة الناس وتقول “درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح”.
كان مجتمع الجزيرة، يعيش حالة من التوازن الدّيني مقارنة بما حدث في العقود الأربعة الأخيرة. هذا الأسلوب في الحياة استمر في منطقة الجنوب والحجاز والمنطقة الشرقية، والتي تعيش بحكُم موقعها تبادلاً اجتماعياً مع دول أخرى والتي تتبنّى مذاهب مختلفة في أغلبها.
لم يكن ظهور العتيبي نتاج فكر ديني متشدّد فحسب، بل كان انعكاساً للسلوك السياسي السعودي. فقد سبقه، بأربع سنوات، اغتيال الملك فيصل على يد الأمير خالد بن مساعد في سبتمبر 1965 ثأراً لمقتل شقيقه أثناء اقتحامه لمبنى التلفزيون احتجاجاً على ما يُعرض فيه من أفلام وأغانٍ.
كان الحل بالنسبة إلى الحكومة البدء بفرض قيود كما لو كانت تنتظر مبرّراً لفعل ذلك. أصبحت هيئة الأمر بالمعروف أكثر قوّة وبدأت تُغلق المحال وقت الصلاة، وتراقب سلوك الأفراد.
قد تكون عبارة “دين بلا ثقافة” التي استخدمها الباحث الفرنسي أوليفييه روا في كتابه “الجهل المقدّس” أفضل وصف لطبيعة “تيار الصحوة” الذي هيمنت تمثّلاته الأيديولوجية في المملكة السعودية على مدى أربعة عقود ماضية. لكن ذلك لا يفسّر التحوّلات الحاليّة التي تشهدها المملكة بأنها ردود فعل طبيعية تجاه ذلك التيّار، الذي يختلف عن المؤسّسة الدينية الرسمية، بقدر ما يعكس الانتقال من مرحلة منتجة للعنف وحاضنة له إلى مرحلة جديدة مبرّرة للارتماء في الحضن الصهيوني علناً.
ما يحدث الآن في المملكة، ليس، فقط، نتيجة للانسدادات النظرية والتأويلات النسقيّة لمفهوم الصحوة، عبر خليط هائل من الكتابات المُتشابهة، والأفكار النمطية الفقيرة، لدُعاة غلبت عليهم الدعوة على العِلم، والوعظُ على البحث، فلم يتوفروا على فكر موضوعي يأخذ مسافة من تلك التأويلات النسقية للأيديولوجيا الوهّابية، بل هو، بالأساس، جزء من استحقاق خارجي.
وما يؤكّد ذلك انقلابُ المُفتين على أنفسهم بسرعة كبيرة، كما فعل، مثلاً، مفتي المملكة عبد العزيز آل الشيخ الذي انتقل من تحريم مشاركة النساء في الانتخابات البلدية إلى إباحتها في ظرف ثلاثة أسابيع فقط من على منبر الجامع نفسه وهو جامع “الإمام تركي”. أظهر ذلك للكثير من الناس تبعيّة المؤسّسات الدينية الكاملة للقصر الملكي وعملها منبراً لخدمة مصالحه وتوجّهاته السياسية. وهو ما تسبّب في فقدان ثقة الناس والمُثقّفين المستقلّين بشكل خاص في رجال الدّين. فهم لا يرون أن الفتاوى تغيّرت بسبب تغيّر رؤية المفتي ووصوله إلى اجتهاد جديد، بل لأن مزاج الحاكِم وتوجّهاته السياسية تغيّرت وليس للمفتى إلا أن يلاحق التغيّرات الجديدة.
من غير الممكن عدم ربط هذا المسار بمسار آخر أنتج تنظيم القاعدة ثم تنظيم داعش اللذين أظهرا تشدّداً لا نظير له اعتماداً على فتاوى تكفير المختلفين. فقد تزامن ظهور القاعدة مع بداية ظهور العودة إلى التشدّد بعد هدنة الستينات والسبعينات. وهذان التنظيمان تم استخدامهما بفعالية من طرف المخابرات الأميركية والإسرائيلية لتنفيذ أجندة دموية وتخريبية مؤلمة بدأت في أفغانستان وانتهت في العراق وسوريا..
ومع وصول سلمان بن عبد العزيز وابنه محمّد، الأكثر نفوذاً، إلى السلطة، اتُّخذ قرار بتصفية إرث “تيار الصحوة” من الفتاوى المتشدّدة ليس فقط من أجل الانتقال إلى علمَنة الدولة، ولكن، بالأساس، من أجل الاستجابة لمطالب أميركية مستحدثة تخصّ هذه المرة الموقف من القدس والحق الفلسطيني باعتباره جزءاً مما سُمِّي بـ”صفقة القرن”. وكان من الطبيعي أن تنقلب الفتاوى على نفسها لتصبح القدس، فجأة، مدينة غير مهمّة للعرب والمسلمين.. وفلسطين مشكلة الفلسطينيين وحدهم. كانت الفتاوى تؤكّد على حُرمة قتل اليهود الصهاينة كما هي فتوى الداعية الوهّابي علي الحلبي مثلاً، وانتهت إلى التقليل من أهمية القدس وتهميش القضية الفلسطينية من خلال حال الصمت الرسمي الديني والسياسي المُطبَق والتي لم تخرقها سوى أصوات بعض الكُتّاب السعوديين المُستهدِفة للفلسطينيين..