الجمعة، 20 يوليو 2018

انقلابات ترامب.. ماذا تطبخ أمريكا للعالم؟



قاسم شعيب


يشير الاتجاه العام، الذي يحرك قرارات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ وصوله إلى البيت الأبيض، إلى وجود رؤية استراتيجية قد لا تكون بعض تفاصيلها واضحة بالنسبة إلينا. يرفع ترامب شعار "أمريكا أولا"، لكن عمق الأمور يشير إلى شيء آخر مختلف تماما وهو سعي الولايات المتحدة إلى القطع مع النظام العالمي القائم وافتعال المعارك السياسية مع القوى الكبرى والمنظمات الدولية من أجل إسقاطه. وتلك الرؤية الاستراتيجية ليس مصدرها الرئيس الأمريكي نفسه دون شك، بل المؤسسة الحاكمة.
لكن هذا التوجه الجديد لم يمنع من ظهور تناقضات في المواقف والتصريحات لدى ترامب الذي لا يجد صعوبة في الانقلاب على نفسه بين الحين والآخر. وآخر تلك المواقف والتصريحات تتعلق بالتدخل الروسي المفترض في الانتخابات الرئاسية الأمريكية الماضية في قمّة هلسنكي. لم يمر سوى وقت قصير حتى التفّ ترامب على تصريحاته التي برّأ فيها الروس، ليعود ويتّهم موسكو بالتدخل في تلك الانتخابات. بل إنه قال إنه يتهم بوتين شخصيا بذلك. شكّل هذا التصريح انقلابا حقيقيا على موقفه السابق من بوتين الذي استبعد تدخُّله، في ندوته الصحفية معه في هلسنكي. وبرّر ترامب ذلك في حوار تلفزيوني بأنه أخطأ التعبير، وأن الجملة التي كان يريد أن يقولها هي: "إنه لا يرى سببا يجعل روسيا لا تتدخل في الانتخابات"..
يريد الرئيس الأمريكي تأجيل أي صدام مُفترَض مع الروس من أجل الاهتمام بمعاركه الأخرى في أكثر من اتجاه رغم ضغوط الإعلام. فقد خرج ترامب من عدة اتفاقيات أبرزها اتفاقية المناخ واتفاقية الهجرة واتفاقية النووي مع إيران.. وهذه هي المعارك التي يريد إعطاءها الأولوية.
خرجت أمريكا من اتفاقية المناخ، وقال رئيسها إن اتفاق باريس ظالم ومضر ولا يصب في صالح الولايات المتحدة وأن الاتفاق الراهن ليس حازما بما يكفي مع الصين والهند، ويعطي مزايا اقتصادية لدول أخري تعد الأكثر إصدارا للتلوث، بل اعتبره عائقا أمام قدرات الولايات المتحدة الاقتصادية، بما أنه يكلفها مليارات الدولارات ويثقل ميزانية الشعب الأمريكي. ولم يكن لاحتجاجات رئيس المفوضية الأوروبية ولا المستشارة الألمانية ولا الرئيس الفرنسي تأثير على قرار ترامب.
وفي أكتوبر من العام الماضي، أعلنت وزارة الخارجية انسحاب الولايات المتحدة من اليونسكو وقالت المدير العام للمنظمة ايرين بوكوفا إن انسحاب الولايات المتحدة خسارة للمنظمة وخسارة للتعددية وخسارة للأمم المتحدة. لكن ترامب حاول تبرير هذا الانسحاب بأن المنظمة تحتاج إلى إصلاحات جذرية بسبب انحيازها ضد "إسرائيل" كما ادّعى. وهو ما رأى فيه العالم محاولة لمعاقبة المنظمة على وقوفها إلى جانب الشعب الفلسطيني.
كما أعلنت إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى العام الماضي عن الانسحاب من ميثاق "إعلان نيويورك" الدولى لتحسين التعامل مع أزمات المهاجرين واللاجئين باعتباره "يتناقض" مع سياساتها، وجاء الانسحاب من ميثاق الهجرة منسجما مع نهج ترامب فى التضييق على المهاجرين والحد من دخولهم لأراضي الولايات المتحدة.
لم يتوقف ترامب عند ذلك بل انسحب أيضا من اتفاقية "الشراكة عبر المحيط الهادي" التي تضم 12 دولة، مؤكدا أن قراره أمر عظيم للعامل الأمريكي، وهو انسحاب حدث بعد وعود أمريكية بإقامة أكبر منطقة للتجارة الحرة من حيث إجمالى الناتج المحلي.
وفي قمة السبعة التي احتضنتها مدينة كيباك كندا، رفض الرئيس الأمريكي المصادقة على البيان الختامي، وأجهز بذلك على يومين من المباحثات بين أعضاء مجموعة قمة السبع بسبب نزاع حول التجارة، ومحاولته فرض رسوم على الصلب والألومينيوم متهما رئيس الوزراء الكندي غاستن ترودو الذي ترأس القمة بأنه غير نزيه وضعيف. وقال إن التعريفات التي فرضناها جاءت ردا على فرضه 270% على الألبان.
لا تتوقف شكوى ترامب من القواعد التي تحكم عمل منظمة التجارة العالمية، رغم استناد هذه القواعد إلى مبدأ حرية التجارة الذي يشكل عماد النظام الرأسمالي الذي تتبناه بلاده، وهو يتحرك باستمرار نحو إقامة الحواجز والجدران التي تحول دون التدفق الحر للبضائع والخدمات والأشخاص ورؤوس الأموال، إلى درجة إقدامه على إشعال فتيل حرب تجارية وصلت إلى أسوار الصين وقد تنتهي بكارثة للاقتصاد العالمي.
لكن الخطوة الأكثر خطورة على أمن منطقة "الشرق الأوسط" وربما العالم كله، هي القرار الذي اتخذه ترامب قبل ذلك بأشهر قليلة عندما ألغى الاتفاق النووي الأمريكي مع إيران مبررا ذلك بأنه اتفاق ألحق ضررا كبيرا بالولايات المتحدة التي دفعت أموالا كثيرة لإيران هي في الحقيقة أموال إيرانية كانت مجمّدة في بنوك أمريكا. وعاد ليشترط شروطا كثيرة أخرى يعلم مسبقا أنها شروط تعجيزية لا يمكن لطهران أن تقبل بها. وقال إنه سيفرض حصارا نفطيا على إيران إن لم تلتزم بتلك الشروط بداية من  4 نوفمبر القادم. بل إن ساكن البيت الأبيض لم يكتف بنقض اتفاقه مع طهران ولكنه رفع سقف تصريحاته المناهضة لها عند إعلان انسحابه، وقال إن العقوبات مرشحة لتشمل الدول المتعاونة مع طهران.
فهمت طهران اللعبة وهي تحاول منذ ذلك الحين المزج بين الديبلوماسية والتهديد لإفشال الخطوات الأمريكية من خلال استمالة الأوروبيين والروس وشركائها الاقتصاديين الآخرين مثل الصينيين والهنود تارة، والتهديد بإغلاق مضيق هرمز أمام الصادرات النفطية تارة أخرى.
لا يكاد يبقي الرئيس الأمريكي ترامب على اتفاقية دولية. وهو يرمي بأحجاره الثقيلة مخلِّفًا وراءه في كل مرة أزمة جديدة. قد يبدو ما يفعله ترامب عملا عشوائيا، لكنه في الحقيقة يخفي مُخطَّطا مسبقا. ولا يبدو الأمر متعلقا بخدمة الشعب الأمريكي كما يدّعي، بل إنه يتحرك بشكل واضح من أجل إسقاط تلك الاتفاقات والمنظمات التي انسحب منها باعتبارها مدخلا أساسيا لإعادة صياغة النظام العالمي على الأسس الجديدة التي أن تفرضها القوى الرأسمالية المهيمنة في العالم. ولا شك أن عملية مفصلية بهذا الحجم، تريد إسقاط النظام العالمي القائم واستبداله بآخر، تحتاج إلى عمليات تمهيدية ووقت ومضاعفات قد تكون الولايات المتحدة نفسها ضحية لها من خلال العزلة التي تنكس فيها مع كل قرار انسحاب من إحدى الاتفاقيات.
لا نعتقد أن الرئيس الأمريكي يتصرف بشكل مزاجي كما يقال عادة، بل إنه يطبق بشكل دقيق ما تطلبه المؤسسة أو الدولة العميقة التي تملك استراتيجية بعيدة المدى يتداول على تنفيذها الحزبان الديمقراطي والجمهوري حسب متطلبات المرحلة. وقرارات ترامب تعكس رغبة تلك المؤسسة الحاكمة في التخلص من النظام العالمي القائم الآن من أجل الانتقال إلى نظام عالمي جديد سبق أن أعلنه الرئيس الامريكي الأسبق جورج بوش الأب في سبتمبر 1990 أمام الكنغرس، ويخدم بالأساس الكيان الصهيوني المحتل لتحويله إلى مركز سياسي واقتصادي عالمي خاصة بعد نقل السفارة إلى القدس والإصرار على اعتبارها عاصمة لـ"إسرائيل" رغم معارضة أكثر دول العالم، ومباشرة وضع قانون أساسي يقر بيهودية الدولة العبرية.



الاثنين، 2 يوليو 2018

أردغان والمرحلة الجديدة: أزمات الداخل وأحلام التمدد





قاسم شعيب

مع إعلان فوز رجب طيب أردغان بالانتخاب الرئاسية، تدخل تركيا مرحلة جديدة تكرّس ابتعاد الكماليين من السلطة دون التخلي عن النزعة القومية الطورانية التي ستبقى جزءاً من تكوين السلطة. حظي أردغان بدعم أنصاره في الداخل والخارج بسبب خلفيته التي يلتقي فيها مع تيار واسع من "الإسلام السياسي" الذي يرى في أي نجاح يحققه "السلطان الجديد" وحزبه نجاحا لمنهجه ورؤيته. لم يحقق أردغان حلم أنصاره فقط بل حقق أيضا حلمه الشخصي في أن يصبح رئيسا لتركيا بصلاحيات واسعة في نظام رئاسي مطلق بعد أن صوّت له 52,59% من الناخبين حسب النتائج الأولية، مقابل 30,76% لمحرم اينجه مرشح حزب الشعب الجمهوري الذي اعترف بخسارته.
لم يكن توقّع فوز أردوغان بالرئاسة صعبا، فالرجل يحكم البلاد بموجب قانون طوارئ منذ حوالي سنتين بعد محاولة الانقلاب التي اتهم الداعية فتح الله غولن بالوقوف ورائها. أسفرت تلك المحاولة، التي يشكك كثيرون في حقيقتها، عن مقتل 250 تركياً وجرح أكثر من 2200، وأدت إلى طرد أكثر من مئة ألف مواطن من عملهم في القطاع العام، بينما أوقف عشرات الألوف عن العمل، قبل أن يعود عدد منهم لعدم ثبوت التهم ضدهم. وهناك إحصاءات تقول إن ربع القضاة والمُدّعين العامين في تركيا طُرِدوا من العمل كما طرد ألفا أستاذ جامعي و33 ألف مدرس من عملهم. والرقم الأسوأ هو أن أكثر من 50 ألف تركي سُجِنوا منذ محاولة الانقلاب.
ولم يكن نصيب الإعلاميين أقل قسوة حيث أغلقت حكومة أردوغان 189 مؤسسة إعلامية، وهو ما أدى إلى فقدان أكثر من 30% من العاملين في مجال الصحافة والإعلام وظائفهم. وتحولت تركيا إلى "أكبر سجن للصحفيين"، حسب تقارير منظمات دولية.
يحاول أردغان استثمار الطفرة الاقتصادية التي حدثت بعد وصوله إلى الحكم لتوسيع نفوذه والتمدد على حساب جيرانه. لكن تلك الطفرة كانت نتيجة لقروض قدمتها البنوك الدولية تضخّمت اليوم ليصل الدين الخارجي إلى 600 مليار دولار، ولم تكن نتيجة قوة ذاتية للاقتصاد التركي.
اعتمد أردغان على البنوك الدوليّة في أحداث نقلة اقتصادية كبيرة، لكن ذلك لم يمنعه من إعلان موقف سلبي من الحضارة الغربية ومن النهج الأتاتوركي بشكل عام. ورغم أنه يقول إنه رجل علماني إلا أنه يقول أيضا إن الإسلام رسالة عالمية، وهو مؤهل لقيادة العالم، وتوجد حاجة حقيقية لإحياء هذا الدور الإسلامي العالمي أمام الهجمة الغربية على العالم الإسلامي. وهذا ما كان يعلنه أربكان الذي أجبر على التنحي عن السلطة بعد أن فهم أن الجيش لن يتركه يستمر في الحكم. كان يريد إقامة محور سياسي – اقتصادي مشرقي يضم الرباعي: أنقرة وطهران وبغداد ودمشق، لكن هذا الأمر كان ممنوعا بالنسبة إلى الإدارة الأمريكية.
ورغم الصعوبات التي يواجهها الاقتصاد التركي بسبب تراجع الليرة وخسارتها 20% في ظرف وجيز وارتفاع نسبة التضخّم وتراكم الديون الخارجية، يعد أردغان شعبه بالصعود بتركيا إلى القوة الاقتصادي العاشرة في العالم. غير أن ذلك لا يمكن تحقيقه إذا ما أصرت واشنطن وتل أبيب والعواصم الاوروبية على دفعه بعيدا عنها. وحينها لا مفر لتركيا من مواجهة أيام صعبة بسبب الارتباط العضوي لاقتصادها بمصادر التمويل الغربية.
لم تكن براغماتية أردغان خفية منذ استلامه الحكم عقب فوز حزبه بانتخابات برلمان 2002. فقد قدم نفسه لواشنطن حينها "بديلا إسلاميا حليفا للأميركيين"، ومنذ 2005 شجّعهم على الحوار مع التنظيم العالمي لجماعة الإخوان المسلمين، وعندما اندلع "الربيع العربي" أصبح عرّابا له أملا في أن تكون للإخوان المسلمين في تونس ومصر خاصة الحظوة. غير أن ذلك لم يستمر طويلا بعد تخلي واشنطن عنهم في مصر عام 2013. لا تبدو البراغماتية عند أردغان مقيدة، بل إنها لا تخلو من الإجراءات القمعية التي تتم صناعة مبررات لها في كل مرة. وهذا ما مكّنه من مواجهة معارضة الداخل من خلال تكتيكات سياسوية مثل فصل المعارضين وسجنهم وملاحقة الصحفيين وخنق نفوذ العسكر الذي استمر الحاكم الفعلي للبلاد منذ أتاتورك وراء ستار الحكومات المدنية.
يستمر أردغان في الحكم ولكن هذه المرة بصلاحيات سلطان عثماني. ويمكن بسهولة ملاحظة وجود نزعة مدروسة لمَرْكزة كل شيء في شخص أردغان وتحوليه إلى أب جديد لتركيا بدل أتاتورك الذي لا بد أن تبدأ صورته في التواري منذ الآن. وبسبب ذلك تخشى القوى السياسية في الداخل والجيران في الخارج من عودة تركية إلى السلوك العثماني.
استغل أردغان هواجس بلاده من الأكراد في المثلث السوري العراقي التركي وجعل منه مبررا للاندفاع نحو شريط جرابلس ــ الباب ــ أعزاز، عام 2016، ثم إلى عفرين عام 2018 ووصل هذا الشريط بإدلب، لتكوِّن أنقرة بذلك منطقة نفوذ تمتد من بداما حتى جرابلس على طول الحدود السورية ــ التركية يسيطر عليها سوريون يأتمرون بأوامر الأتراك. وفي كلمته بعد اعلان فوزه قال أردغان أنه سيواصل التمدد في سوريا. لا شك أن ذلك شيء لا تقبله الحكومة السورية التي ربما تؤجل إثارة الموضوع بشكل جدي لاعتبارات الميدان.
وفي المقابل بات التقارب التركي الروسي الإيراني حقيقة ومن الممكن أن يتوسع في المرحلة القادمة بعد أن وجد أردغان ترحيبا ضمن هذا المحور. فهناك تقاطعات سياسية كثيرة بين أعضائه بعد التوترات الكبيرة بين تركيا والغرب. لكن ذلك لا يمنع من توقع تقلبات جديدة يحسنها أردغان، فالخلفيّة الإيديولوجية لا تجعل من هذا المحور مكانا طبيعيا للرئيس التركي وحزبه.
لا يبدو أردوغان مستعدا لمراجعة سياساته التي فاقمت الاستقطابات الداخلية والتوترات الخارجية. وما لم يعترف بأن مواطنيه يواجهون أزمة اقتصادية واجتماعية متفاقمة فلا أمل بأن يبدل في نهجه. ومحاولة الهرب من مواجهة تلك الأزمة وارتفاع معدلات البطالة والتضخم بإلقاء اللوم على الخارج، أو على خصومه في الداخل، لن تنفعه.
استعجل أردغان تقديم الانتخابات من أجل التسلح بصلاحيات واسعة واستباق تفاقم الأزمة الداخلية بعد تحويل النظام إلى رئاسي، والمضي في تمدده خارج الحدود، لكن ذلك لا يؤثر على موقف أكثر من نصف الشعب التركي المعارض له إذا ما اعتبرنا نسبة المقاطعين. ولن يغير في نظرة الاتحاد الأوروبي الذي يتهمه بممارسة القمع ومطاردة خصومه السياسيين والهيمنة على الإعلام وضرب سلطة القانون واستقلال القضاء. ولن يغير أيضا من طريقة تعامل الأمريكيين والإسرائيليين له رغم ما يبديه من مرونة معهم. أما الجيران الذين يريد التوسّع على حسابهم فلن يقفوا مكتوفي الأيدي.

السبت، 26 مايو 2018

سجال أردغان ونتانياهو: مواقف حقيقية أم شيء من "المأذون به"؟






قاسم شعيب


"ليست القدس مجرد مدينة، وإنما هي رمز وامتحان وقبلة. وإذا لم نتمكن من حماية قبلتنا الأولى فلن نستطيع التطلع لمستقبل قبلتنا الثانية في أمان". هذا الكلام قاله الرئيس التركي رجب طيب أردغان في سياق حملته ضد حدث نقل السفارة الأمريكية إلى القدس والممارسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين. وهو يقصد أن الكعبة هي أيضا في خطر إذا لم يستطع المسلمون حماية القدس.
لم يكتف أردغان بإطلاق التصريحات المنددة بالممارسات الإسرائيلية في القدس وغزة بل إنه سارع إلى طرد السفير الإسرائيلي في أنقرة بشكل مؤقت، واستضافة قمة "إسلامية" خرجت بمجموعة من القرارات رغم أنه لا توجد ضمانات حقيقية لتطبيقها. كثيرون يرون في تصريحات أردغان ومواقفه المعلنة التقاطا لذكرى النكبة وما حدث فيها من أجل استخدامها في حملته الانتخابية. غير أن آخرين يرون فيها انعكاسا لما يؤمن به الرجل الذي ظلّ مقيدا بإرث مؤسس الدولة التركية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك.
عندما وصل حزب العدالة والتنمية إلى الحكم عام 2002 لم يتغير شيء في واقع العلاقات التركية مع الكيان الصهيوني الذي اعترفت به تركيا منذ عام 1949 وأقامت معه حلفا سريا في الخمسينات ثم خرج إلى العلن في التسعينات. لم يتحدث أردغان في سنوات حكمه الأولى عن القدس وفلسطين ولاذ بالصمت. بل إنه زار تل أبيب وأرسل قواته مع الناتو إلى أفغانستان وهو ما جعل أوباما يبدي أعجابه بالنموذج التركي الذي ينبغي تعميمه في الشرق الأوسط.
كان أردغان في البداية يأمل بقوة في عضوية الاتحاد الأوروبي فذهب إلى الفاتيكان لتوقيع طلب انضمام بلاده لهذا الاتحاد مرسلا بذلك إشارة تفيد أن نهجه سيكون مخالفا لنهج سلفه نجم الدين أربكان الذي اضطره الجيش إلى الاستقالة لعدة أسباب أوضحها توجهاته الدينية ومعاداته لإسرائيل وسعيه لتشكيل كتلة اقتصادية للدول الإسلامية..
تعاملت تركيا مع إسرائيل منذ اعترافها بها باعتبارها حليفا. لكن ذلك لم ينسحب على حرب  67 وغزوها لبنان سنة 82 حيث أدانت كلتا الحربين. كانت العلاقات الثنائية في أوجها ولم يكن من السهل على أردغان القطع بشكل فوري مع تل أبيب حتى لو أراد ذلك. بل إنه قرر الانفتاح التجاري معها رغم بعض القيود على التعاون العسكري المفتوح.
لكن أول خروج لأردغان عن الخط المرسوم منذ أتاتورك كان بعد حرب غزة 2008. حينها قال لن نصمت بعد الآن. وكان انسحابه من مؤتمر دافوس سنة 2009 بعد وصفه لشمعون بيريز بقاتل أطفال، وحادثة سفينة مرمرة التي تسببت بقطع العلاقات عام 2010، مناسبات أخرى لرفع سقف الموقف التركي الجديد.
غير أن ذلك كله قد يكون من "المأذون به" مادامت حركة التجارة والسياحة مستمرة بين إسرائيل وتركيا، وما دامت الصفقات الاقتصادية قائمة، ومنها صفقة تسويق تركيا لخط الغاز الإسرائيلي، وما دامت العلاقات الديبلوماسية مستمرة رغم قرار قطع العلاقات المؤقت آنذاك والذي استؤنفت عام 2013،  بل إن كل تلك التصريحات تصبح، حسب ظاهرها، موجهة للاستهلاك المحلي لكسب الجمهور في حملته الانتخابية الجارية الآن، ولا تعبّر عن مواقف حقيقية مادامت العلاقات على الأرض لم تتأثر كما عكست ذلك احتفالات السفارة الإسرائيلية في أنقرة بمرور 70 سنة على تأسيس الكيان المحتل.
بدأت العلاقات التركية الإسرائيلية بتحالف قوي على يد العسكر ثم انخفضت إلى تعاون ثنائي مع الحكومات اليمينية. وعندما جاء حزب العدالة والتنمية تأثرت تلك العلاقة بشكل ما وبدأ الإسرائيليون يتذمرون. بل إن أردغان دخل في سجال مع بيريز ثم نتانياهو ظن معه كثيرون أن أردغان على بعد خطوة من قطع علاقاته بكيان الاحتلال بشكل نهائي.
لم يستطع أردغان اتخاذ أي قرار ضد إسرائيل في حرب غزة 2008. وتم تبرير ذلك بوجود العسكر النافذ. لكنه بعد حادثة مرمرة 2010 وسقوط ضحايا أتراك قطَع العلاقات. غير أن فشل الانقلاب العسكري صيف 2016 وتخلص أردغان بعد ذلك من سطوة العسكر لم يترك له مبررا لاستمرار تلك العلاقات قوية بأوجهها المتعددة.
ورغم أن صادرات تركيا لإسرائيل تصل إلى ملياري دولار إلا أنها تمثل جزءا بسيطا من مجموع صادراتها التي بلغت العام الماضي 157 مليار دولار. وعادة ما يتم تبرير استمرارها بالربط التجاري الذي يجعل إسرائيل تتيح لتركيا "العمل التنموي" في الضفة وغزة إضافة إلى كسب ثقة اللوبيات اليهودية لترطيب العلاقات مع واشنطن وموسكو. وهذا يعني أن تركيا تلعب بالورقة التجارية لمصلحة الفلسطينيين!
يريد أردغان ربط نفسه بالقدس. والمسألة لا تتوقف عند حملته الانتخابية الجارية، بل تتجاوز ذلك على مدى أبعد يتعلق بتوجهات حزب العدالة والتنمية المعلنة والتي لا يمكن إسقاطها لأنها ستجعله يخسر الكثير من جماهيريته في الداخل. لم تتغير علاقة تركيا بإسرائيل منذ سبعة عقود. واستمرار العلاقات دون الوصول على قطيعة كاملة لن يعتبر براغماتية تركية ضرورية.
تأسست إسرائيل في محيط معادٍ، لم يكن لها فيه سوى حليفين هما تركيا وإيران. وإذا ما تطور الموقف التركي إلى مستوى الموقف الإيراني بعد سقوط الشاه، فقد تنقلب الصورة، أمام السباق العربي الذي لم يعد خافيا نحو إسرائيل. وتلك واحدة من المفارقات المؤلمة.



الخميس، 24 مايو 2018

جعجعة في البيت الأبيض!





قاسم شعيب


قد لا يكون التصعيد الأمريكي ضد إيران وصل إلى ذروته بخطاب وزير الخارجية الجديد بومبيو الذي حدد فيه 12 شرطا لتجنب عقوبات غير مسبوقة قال إن بلاده تنوي فرضها على طهران. فهذه الشروط، التي لا يمكن لإيران الاستجابة لها، تبدو مقدمة لشيء يتجاوز مجرد فرض حصار غير مسبوق.
تصب الشروط الأمريكية المعلنة في "الإستراتيجية الأمريكية الجديدة" التي وضعت تغيير النظام في إيران هدفا رئيسيا لها وفي ظرف وجيز أسرع بكثير من الوقت الذي أخذه ما حدث في العراق وليبيا.
لم يتأخر الرئيس الإيراني حسن الروحاني في الرد على التهديدات الأمريكية وخاطب الأمريكيين "من أنتم حتى تقرروا بخصوص إيران والعالم؟". وقالت الصحافة الإيرانية إنها أضغاث أحلام وأن الشروط الـ12 هي في الحقيقة 12 خطأ. لكن الرد اللافت هو تصريح وزير الخارجية جواد ظريف الذي قال إن الإدارة الأمريكية واقعة تحت ضغط لوبيات تريد إثارة الفتن. وهو ما يعني أن ما تفعله الإدارة الأمريكية ليس إلا إملاءات سمِّيت بالإستراتيجية الأمريكية الجديدة.
ويمكن اختصار تلك الإستراتيجية الجديدة في النقاط التالية:
§       أولا: التخلي عن برامج الصواريخ البالستية في مرحلة أولى ثم تدمير مخازن إيران وترسانتها العسكرية لاحقا.
§       ثانيا: وقف دعم ما سماه بومبيو "الإرهاب" والمقصود حزب الله في لبنان وحركة حماس وحركة الجهاد في فلسطين والحشد الشعبي في العراق. والتوقف عن التدخل في القضايا الداخلية لهذه البلدان.
§       ثالثا: الانسحاب الكامل من سورية وإنهاء الوجود العسكري على أراضيها.
من غير الممكن أن تقبل إيران بهذه الشروط التي تعلم الإدارة الأمريكية أنها مرفوضة مسبقا. فهي شروط لا تعني شيئا غير استفزاز طهران وخدمة المصالح الإسرائيلية من خلال منع الدعم الذي طالما تلقته حركات المقاومة من إيران سواء كان دعما ماليا أو عسكريا.
أعلن الأوروبيون أنهم لا يقبلون بنقض الاتفاق النووي وفرض عقوبات مشددة على إيران. وهذا يبدو مفهوما بحكم المصالح الاقتصادية الواسعة للأوروبيين فيها. غير أن هناك شكوكا حول مصداقيتهم أو على الأقل قدرتهم على مقاومة ضغوط إدارة ترمب. فالاتفاق النووي هو اتفاق مع أمريكا بنسبة تسعين في المائة. والشركات الأوروبية لها مصالح مع أمريكا أكبر من مصالحها في إيران ولا شك أنها تفضل السوق الأمريكية الأوسع على السوق الإيرانية.
وضع وزير الخارجية الأمريكية أوروبا في الزاوية وأصبح هامش المناورة بالنسبة لها ضعيفا بشكل كبير. وقد بدأت الشركات الأوروبية بالفعل في جدولة مغادرتها لإيران ووفق الموقع الإلكتروني لغرفة التجارة الإيرانية، فقد قررت شركات كبيرة مثل توتال وآني وسيمنز وإيرباص وأليانتس وساجا ودنييلي ومايرسك استعدادها لمغادرة إيران. وهذا يؤثر بلا شك على العلاقات الاقتصادية الإيرانية الأخرى مع أوروبا لاسيما بيع النفط الذي لا يتجاوز 20% من الصادرات الإيرانية لهذه المادة. 
تخشى إيران انصياع الأوروبيين للتهديد الأمريكي وانضمام الاتِّحاد الأُوروبي للعُقوبات تَفرِضها واشنطن، وهذا ما عبر عنه وزير الخارجيّة جواد ظريف بعد لقائه مع المَبعوث الأوروبي للطَّاقة ميغيل أرياس كانيتي في طِهران حين قال إنّ "تعهدات أوروبا بإنقاذ الاتفاق النووي غير كافية ويجب القِيام بخطوات إضافيّة، لأن الدعم السياسي ليس كافيا".
ومع ذلك يبق أمام إيران علاقاتها مع الصين وروسيا والكثير من البلدان الأخرى ومنها الآسيوية.. فالصادرات النفطية يذهب 70% منها إلى الصين وحجم التبادل التجاري الصيني الإيراني يبلغ ستين مليارا من الدولارات. وليس من مصلحة الصين السكوت على المحاولات الأمريكية إلحاق الضرر بعلاقاتها الاقتصادية مع إيران.
لكن ما يجب أن تحسب له طهران حسابا هو الغموض الروسي الذي عكسه تصريح الرئيس الروسي بعد لقائه الرئيس السوري عن ضرورة انسحاب كل القوات الأجنبية والبدء بعملية سياسية في سوريا. فهو لم يستثن إيران. وهذا ما أكده المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى سوريا، ألكسندر لافريننييف، الذي قال إن تصريح بوتين "يخص كل المجموعات العسكرية الأجنبية، الموجودة على أراضي سوريا، بمن فيهم الأمريكيون والأتراك وحزب الله والإيرانيون".
لكن فيصل المقداد نائب وزير الخارجية السوري رد بالقول إن "هذا الموضوع غير مطروح للنقاش، ولا يمكن أن نسمح لأحد بطرحه". وعلل المقداد ذلك بكون إيران دخلت بدعوة من القيادة السورية، فهو يميز بين وجود شرعي للقوات الروسية والإيرانية ووجود غير شرعي للقوات التركية والأمريكية. ولذلك أكد أن "انسحاب أو بقاء القوات المتواجدة في سوريا بدعوة من الحكومة هو شأن يخص الحكومة السورية". وهذا كله قد يعكس وجود خلاف سوري روسي حول الوجود العسكري الإيراني، مما يطرح تساؤلات حول حقيقة النوايا الروسية تجاه إيران.
ومع ذلك كله من الممكن الفصل بين موقف الروس من استمرار الوجود الإيراني في سوريا، وموقفهم من التهديدات الأمريكية. وبالفعل فقد أعلنت روسيا عن انحيازها لإيران في مواجهة الولايات المتحدة وقالت إن المحاولات الأميركية لاعتبار إيران تهديدا عالميا كبيرا على المنصات الدولية غير مجدية.
أما الثلاثي الخليجي الذي تقوده السعودية فقد اصطف خلف التهديدات الأمريكية. فهو لا يستطيع سوى الاستجابة للخطوات الأمريكية. وليس غريبا أن يسارع تبعا لذلك إلى تأييد العقوبات الأمريكية ضد قيادات "حزب الله".
بل إنها تفعل أكثر مما هو مطلوب منها بعد أن تحوّلت إيران إلى عدو أخذ مكان "إسرائيل" التي تبرع وزير خارجية البحرين بإعطائها الحق في قتل الغزاويين في مسيرات العودة الأخيرة بدعوى الدفاع عن النفس.
يريد الأمريكيون تخويف الخليج بإيران من أجل تسهيل ارتمائه في الحضن الصهيوني فوق الطاولة بعد أن استمر الأمر لعقود تحتها. وقد تكون العقوبات الأمريكية خطوة إضافية لتحويل السعودية والإمارات والبحرين بشكل خاص إلى ساحات لحرب متوقعة على إيران، بعد أن لعبت أدوارا مشابهة في العراق وسوريا.
يفهم الإيرانيون حقيقة النوايا الأمريكية في تغيير النظام والتي لم تعد خفية بعد أن قال مستشار الأمن القومي جون بولتون إن إيران لن تحتفل بعيد ثورتها الأربعين. وهم يعرفون أن الحرب الأمريكية قد بدأت في سوريا من خلال الاعتداءات الإسرائيلية. أما ردودهم فإنها تحاول التريث من أجل تبيُّن حقيقة مواقف حلفائها الصينيين والروس.
يقرع الأمريكيون طبول الحرب بعد أن تخلص ترمب من "الحمائم" في حكومته وجاء بوجوه شرسة وعنصرية وكارهة للإسلام والمسلمين ومستعدة لفعل أي شيء من أجل مخططات الصهيونية العالمية في تغيير خرائط المنطقة وتحويل إسرائيل من كيان صغير ومعزول إلى دولة كبيرة ومندمجة في المنطقة. لكن المؤكد أن إيران سيكون لها رأي آخر.


الأحد، 20 مايو 2018

بوتين ونتانياهو... والكعكة السورية






قاسم شعيب

عندما قرر بوتين الدخول إلى سوريا بدعوة من القيادة السورية كما قيل ويقال كان ذلك لثلاثة أشهر بشكل معلن. ولا شك أن ذلك لم يحدث بل استمر الروس حتى الآن رغم أنهم أعلنوا قبل سنتين أنهم سينسحبون ثم تبين أن المهمة لم تنجز وأن ما قيل كلام ليل.
أكثر من مرة صرح قادة الجيش الروسي أنهم تمكنوا من تجربة أنواع كثيرة من أسلحتهم الجديدة.. تلك الأسلحة لا شك أنها جُرِّبت في اللحم السوري الحي ولم تستثن اللحم المدني المر الذي لا ناقة له ولا جمل في كل ما حدث ويحدث سوى أن المسلحين والإرهابيين اتخذوا أحياءهم السكنية معقلا وحاضنة طوعا أو كرها..
العلاقات الروسية السورية قديمة وتعود إلى حقبة الاتحاد السفياتي. ولا شك أن التحالفات الدولية أمر قائم ومفهوم. ولكن عندما يكون هناك طرف آخر يفترض أنه عدو يقيم معه الروس أفضل العلاقات وينسق معه ضرباته على المواقع العسكرية السورية أو الإيرانية الحليفة فحينها لابد ان يطرح السؤال: مع من يقف الروسي؟..
كيف يمكننا أن نتصور للحظة حاكما يدّعي الوقوف مع سوريا في حربها ضد داعش والارهاب بينما لا يتردد في الذهاب الى حائط المبكي ويضع على رأسه تلك القبعة ويتبادل الزيارات الدورية لتنسيق المواقف والعمليات التي لا يعلم تفاصيلها الا الله... وبعض مخلوقاته؟.. ماذا سيكون موقفنا منه؟ سنقول طبعا إن الأمر مريب أو سنقول مباشرة إنه خائن ويجب طرده.. إلا إذا كان السوري نفسه يلعب تحت الطاولة أو بلا حول ولا قوة!..
يعلم الجميع علاقة أبو تين بيهود بلاده وكيف أوصلوه إلى الحكم.. لكن الإضافة هي علاقاته التي تصف بما فوق الفوق مع الصهاينة. آخر ما أكد هذا الكلام زيارة نتانياهو المجللة بالبهرجة وألوان الطيف.. احتفال رسمي مهيب واستقبال من الميتا خيال وتصريحات نتانياهوية مستكبرة ومادحة لجلالة الرئيس أبو تين..
الاتفاق بين روسيا وإسرائيل صار واضحا. سنترك لكم أمر قصف المواقع الإيرانية والسورية واللبنانية ولكن لا تقتربوا من المواقع الروسية. وكونوا على ثقة، لن نسلّم السوريين اس 300 ولا فاس 500 ولا أي سلاح يصنع التوازن العسكري..
إخراج إيران من سوريا مصلحة روسية إسرائيلية مشتركة. فإيران هذه جيء بها من أجل أن تكون الضد المكافئ للحركات الإرهابية المسلحة المدعومة أمريكيا وخليجيا بعد أن بدأ يميل ميزان الغلبة لصالحها. فالأمر لا يتعلق بإسقاط النظام السوري ولا قيادته بل يتعلق بسوريا الدولة والكيان والشعب. كان المطلوب تدمير سوريا ولأجل تحقيق ذلك كان لابد من قوتين متوازنتين حتى تستمر الحرب تماما كما حدث في الحرب العراقية الإيرانية التي أكد هنري كيسنجر أن الأمريكان أرادوا إطالتها وأن لا يخرج منها أي طرف منتصر.. أما إسقاط النظام فمؤجل إما لأنه لم يكن ممكنا طوال السنوات الماضية أو لأنه يفي بالغرض ولا داعي لتغييره..
تريد إسرائل الآن إخراج إيران من سوريا لأنها لا تأمن وجودها العسكري على تخومها، أو لأنها قامت بما كان مطلوبا منها دون أن تعي بذلك والآن انتهت مهمتها. ويريد الروس أن يتخلصوا من شريك في الكعكة السورية.. لم يبق أمام إيران سوى خيارين لا ثالث لهما: إما مواصلة تلقي الضربات الإسرائيلية دون رد جدي ورادع والاستسلام والمغادرة تبعا لذلك. أو الرد القوي والدخول في حرب لن تكون ضد إسرائيل وحدها بلا شك.. وهذا هو مأزق إيران التي استدرجت وكانت شبه مجبرة على الدخول للدفاع عن حليفها حتى وإن اضطرت لتركيب مبررات دينية وأمنية صدقها معشر الأنصار..
يريد الصهاينة إخراج إيران لتحقيق هدفين غير معلنين. فالأمر لا يتعلق بتهديد إيران للأمن الإسرائيلي بل يتعلق بأمرين آخرين في غاية الخطورة. الأول هو الاستفراد بسوريا حيث أن الروسي مضمون ولا يمكنه منع الصديق والحليف الصهيوني من إطلاق العنان لغرائزه المجنونة في الشام. والثاني يتعلق بإرسال إيران للخليج من أجل توريطها في حرب جديدة ضد السعوديين وحلفائهم الواضحين او المعتمين.. أما الهدف من وراء ذلك فهو ضرب الخليجيين بالايرانيين وتفكيك الجميع...
يميل المراقبون السياسيون، إلى استبعاد حروب جديدة في الشام والخليج. غير أن إسرائيل وقادة الصهينونية لا يفكرون سياسيا كما يظنون بل يفكرون دينيا. فالدين هو الذي يحرك إسرئيل وأمريكا. والاسم المشترك الذي يسكن العقول هناك هو "المسيح".
يأمل الصهاينة في خروج ملكهم المتوّج على كرسي الهيكل في القدس المحتلة ليحكم العالم ألف سنة كما يزعمون. ويأمل الإنجيليون في الغرب والأرتودكس في الشرق في عودة المسيح الحقيقي ليباشر إنقاذ الانسانية...
وحدهم العرب والمسلمون صدقوا الكذبة وتخلوا عن دينهم وأصبحت قصة المهدي المتواترة في كتبهم الدينية خرافة.. وحدهم العرب باتوا بلا دين بعد أن نجح الغرب في تشليحهم كل شيء: دينهم وعروبتهم ونفطهم وعقولهم وحتى رجولتهم!



الثلاثاء، 24 أبريل 2018

هل انتقلت سينما ابن سلمان إلى حي الخزامي؟






قاسم شعيب


هلَّل كثيرون لقرار ولي العهد السعودي إعادة افتتاح دور للسينما لأول مرة منذ عقود بعد أن أدى تمرد جهيمان العيتيبي عام 1979 الى إجراءات متشددة كان أحدها إغلاق تلك الدور. وتم تصوير الأمر على أن خطوة جديدة على طريق الإصلاحات المزعومة التي ينفذها محمد بن سلمان.
غير أن سينما ابن سلمان انتقلت، فيما يبدو، من الشاشة الكبيرة إلى أرض الواقع. وعملية الاغتيال التي تعرض لها رئيس المجلس السياسي اليمني صالح صماد والمجزرة التي ارتكبت بحق مدنيين يمنيين في حفل زفاف ربما جاءت لإبعاد الأنظار عما حدث في حي الخزامي في الرياض قبل أيام.
لا يبدو أن محمد بن سلمان سيتوقف عن تصفية منافسيه وخصومه في الداخل وافتعال قضايا فساد من أجل فتح الطريق نحو العرش أمامه والتمكن من تسديد فاتورة صعوده الى العرش السعودي. جال ابن سلمان بين بريطانيا وأمريكا وفرنسا وعقد الصفقات المليارية الجديدة ولا شك أن ذلك يشكل ضغطا كبيرا على ميزانية البلد ما يجعل الحل الأسهل بالنسبة إليه مواصلة ابتزاز الأمراء والأثرياء السعوديين دون التوقف عن فرض الضرائب على المواطنين.
وبسبب تلك الضغوط، يوجد احتمال قوي يؤكد أن ما حدث في حي الخزامي في الرياض أين يوجد القصر الملكي لم يكن حقيقيا بل كان مفتعلا من أجل تبرير عدة إجراءات قد تشمل لاحقا إيقافات جديدة وعمليات ابتزاز ومساومة. لكن ذلك لا يلغي احتمال أن يكون ما حدث حقيقي ويعكس غليانا واسعا داخل العائلة الحاكمة ورغبة في التخلص من ولي العهد الذي أهانها وأبرز عيوبها بشكل غير مسبوق ليس أمام الرأي العام المحلي فحسب، بل حتى أمام الجمهور العربي والإسلامي الذي انخدع بالخطاب الذي استمر النظام السعودي في ضخِّه عبر الإعلام والمساجد والكتب والدوريات لعقود طويلة..
من المبكر الجزم بحقيقة ما حدث. غير أن الرواية الرسمية لا تبدو متماسكة. قالت الشرطة السعودية إنها تعاملت مع طائرة درون غريبة كانت تمر في حي الخزامي. غير أن الفيديوهات المسربة لا تظهر الطائرة بل توضح تبادلا كثيفا لإطلاق النار استمر حسب شهود لساعة كاملة. كما أن تنوع الأسلحة المستخدمة يكشف هو الآخر أن الأمر كان محصورا بعملية كانت تجري على الأرض. وإذا كان أحدث أنواع طائرات الدرون لا تتجاوز سرعته الـ100 كم في الساعة ومدة التحليق نصف ساعة، فإنه لا معنى لاستمرار إطلاق النار الكثيف لقرابة الساعة، خاصة وأن القوات التي تحرس القصر تتمتع بمهنية واحترافية عالية وسرعة في الرد كما هو مفترض.
قد تكون هناك طائرة درون بشكل عرضي أو جزء من تصوير المنطقة لمساعدة المهاجمين لكن إطلاق النار ليس له علاقة بها، بل كان تبادل نيران من طرفين. وبحسب مصادر فإن الهجوم وقع بسيارات تحمل مدفع 50 ملم والرد كان عشوائيا. وسرعان ما اختفى المهاجمون دون أن تتضح هويتهم ولا الهدف من الهجوم.
وسواء كانت العملية مفتعلة، كما نرجح، أو حقيقية، فإن محمد بن سلمان بات يواجه أزمة مفصلية لا يجد لها حلا سوى ممارسة المزيد من الإيقاف والابتزاز ومصادرة الأموال بتهم الفساد وفرض مزيد من الضرائب على الناس.  
استطاع محمد بن سلمان في وقت وجيز أن يحقق "إنجازات" مهمة دون أن يقصد ذلك. فقد كشف أمام الجميع فساد العائلة الحاكمة والمليارات التي جمعها الأمراء السعوديون بطرق غير مشروعة وملتوية غالبا. وعرّى المؤسسة الدينية التي فهم الجميع أخيرا أنها مجرد غطاء لتبرير سياسات آل سعود. وقد رأينا كيف أصبح المشايخ الوهابيون التابعون لـ"هيأة العلماء" يفتون بما كانوا يحرمونه في السابق ولعل آخر تلك الفتاوى ما يتعلق منها بالسينما..
كان ابن خلدون يقول: "الملك يبليه الترف ويذهب به". و"عندما يستبد الأبناء بالحاشية.. يلجأ كبار الحاشية والمقربين إلى الترف والدعة كما يسعون إلى جمع المال بطرق شتى.. وهنا تقل العصبية الحامية للدولة، فيلجأ الملك إلى جدع أنوف العشيرة والأقارب.. بمصادرة ممتلكاتهم وإلى القتل والإهانة..". ويبدو أن ما قاله ينطبق هذه الأيام على الحكم السعودي..




الأربعاء، 18 أبريل 2018

هل أصبحت الحرب الشاملة بين المحور الشرقي والتحالف الغربي مسألة وقت؟






لم يكن العدوان الغربي، الذي استهدف سوريا فجر الرابع عشر من أفريل- نيسان، مستبعدا، بل كان متوقعا. كان هناك ضجيج كثيف قبل تنفيذه ومناورات أطلقها ترامب عبر تويتر هدد فيها مرة وتوعد واستبعد الضربة مرة أخرى قبل أن يهاجم..
لا شك أن تنسيقا عالي المستوى حدث بين الأمريكيين والبريطانيين والفرنسيين قبل الهجوم. غير أنه ليس واضحا إن كان الروس في الصورة. وكل ما قيل هو أن الفرنسيين أخبروهم بالعملية أثناء الهجوم. لم يكن الاعتداء بحجم التهديد بل إنه كان محدودا واستعراضيا. وبعد أن أخذ السوريون احتياطاتهم لم تكن الضربات مؤثرة ولم يكن هناك ضحايا. واقتصر الأمر على الخسائر المادية.
لم يتراجع الأمريكي عن توعّده، ولكن أيضا لم يشن الحرب التي توقعها الكثيرون. وهناك احتمالان ممكنان لذلك لا يلغي أحدهما الآخر بل إنهما قد يكونان مقصودان معا.
الاحتمال الأول هو تنفيذ مناورة عسكرية غربية يشترك فيه الأمريكي مع حلفائه الأوروبيين لمزيد من التنسيق وتبادل الأدوار. أراد الغربيون تجربة أسلحة جديدة ومعرفة مدى فعاليتها. وهذا الأمر يمكن أن نفهمه من كلام ترامب الذي تحدث عن صواريخ جديدة وذكية يريد استخدامها في سورية.
وبحسب وسائل إعلام أمريكية تم استخدام قاذفات بي 1. وشاركت سفينة حربية أمريكية واحدة على الأقل بالبحر الأحمر في العدوان. واستخدمت صواريخ من طراز "توماهوك". أما بريطانيا فقد استخدمت أربع طائرات من طراز تورنادو راف في الاعتداء على سوريا. كما استخدمت صواريخ ضد مبنى عسكري يقع على بعد 24 كيلومترا غربي حمص. أما فرنسا فاستخدمت طائرات رافال لاستهداف منشآت تابعة للحكومة السورية.
لم نعرف حقيقة الصواريخ التي اتخدمها الغربيون سوى ما قيل عن الصواريخ الأمريكية إنها صواريخ توماهوك. بينما تسربت بعض المعلومات حول استخدام فرنسا صواريخ موجّهة جديدة اسمها DMCN كلفة الصاروخ الواحد 2.86 مليون يورو.
أما الاحتمال الثاني فهو ممارسة المزيد من الابتزاز لدول الخليج وخاصة منها المملكة السعودية من أجل دفع فواتير مضاعفة لتكلفة الضربات. قدر خبراء عسكريون تكلفة الضربات العسكرية التي شنتها الدول الثلاث ضد أهداف سورية، بنحو 240 مليون دولار.
تبقى الميزانية العسكرية للولايات المتحدة، أكبر ميزانية عسكرية في العالم وتصل إلى نحو نصف تريليون دولار في بعض السنوات.  وتكلفة الاعتداء تعتبر محدودة جدا مقارنة بإجمالي حجم الموازنات العسكرية للدول الثلاث المشاركة في القصف من ناحية، ومقارنة بالنفقات العسكرية إبان الحرب في الخليج ضد العراق، من ناحية أخرى، والتي تكلفت نحو 6 تريليونات دولار.
لكن ترامب كان قد استبق الهجوم العسكري، بتوجيه رسالة إلى دول الخليج أعلن خلالها عن أمله في أن تموّل تكلفة وجود القوات الأمريكية في سوريا، والتي طالب خلالها مستشاريه بترتيب انسحاب قواته خلال ستة أشهر وفقا لـ"سي إن إن".
وقد أكدت صحيفة غازيتا الروسية ذلك حين قالت إن الولايات المتحدة ألزمت السعودية بدفع ثمن العملية العسكرية الأمريكية على الأراضي السورية، وفقاً لما ورد في تصريحات الرئيس الأمريكي في 3 أفريل نيسان الجاري.
لم يكتف الأمريكيون بإجبار السعوديين على دفع فاتورة الاعتداء على سوريا، بل إنهم يطلبون منهم الآن المشاركة في وجود عسكري بري على الأراضي السوري بحجة محاربة الإرهاب.
لم تكن الضربة حفظا لماء الوجه كما قال بعضهم، بل إننا نميل الى رأي غورباتشوف آخر رؤساء الاتحاد السفياتي المنحل الذي قال فيه إن الضربة بمثابة مناورة إحمائية لضربات حقيقية قادمة. كانت الضربة العدوانية على الأرجح تمهيدا لإعادة رسم خريطة النفوذ في سوريا وهو ما فاجأ الروس والإيرانيين.. لن يتوقف الأمريكيون وحلفاؤهم عن استفزاز الروس إلى أن يقع الاشتباك الذي يريدونه.
وفي كل الأحوال، يحتاج السوريون وحلفاؤهم إلى إيقاف الاعتداءات الأمريكية والغربية والإسرائيلية. ومن دون رد قوي وحقيقي يواجه ضربة بضربة وصاروخا بصاروخ فإن أمريكا وإسرائيل والغرب سيتمادون في اعتداءاتهم إلى أن تحين اللحظة ويصبح فيها ممكنا توجيه الضربة الأخيرة.
من الممكن أن تكون هناك خشية من ردة فعل الأمريكيين والإسرائيليين تمنع السوريين وحلفاءهم من الرد في عمق الأراضي المحتلة أو في قواعد المعتدين التي تنطلق منها طائراتهم وصواريخهم، والاكتفاء بإطلاق مضادات. غير أن الحقيقة هي أن الروس يصرّحون أن الممنوع في سوريا هو الاعتداء على قواعدهم فقط. بل إن التنسيق الروسي الإسرائيلي لم يتوقف يوما، وهو الذي يمنع من الرد المتكافئ. لكن هذا كله قد يصبح من الماضي وقد يقرر الروس تغيير كل شيء والرد الذي يقلب المشهد كله.
بعد الغارات التي شنت على مطار تيفور في حمص توعّد الجنرال قاسم سليماني بالرد وأبلغ الإيرانيون الروسَ أنهم لا يقبلون تعديل "قواعد اللعب" في سوريا. يحمل الإسرائيليون التهديد الإيراني على محمل الجد ولعلهم قرأوا جيدا الرسالة التي وجهها أمين عام حزب الله عندما تعمّد قراءة بعض السطور بعناية من ورقة بين يديه، في خطابه قبل الأخير..

والأسابيع أو الأشهر القادمة كفيلة بتوضيح الصورة..


الخميس، 12 أبريل 2018

مأزق ترامب.. ابتلاع الهزيمة أو الحرب المجنونة





قاسم شعيب


انتقل الرئيس الأمريكي بسرعة كبيرة من الإعلان عن سحب قواته من سوريا إلى الإعلان عن توجيه ضربة لها. كان واضحا أن الإعلان الأول مجرد مناورة لابتزاز حلفائه وجعلهم يدفعون تعريفة الوجود الأمريكي في سوريا. لكن ترامب، الذي طالب، في تغريدة له أمس الأربعاء على تويتر، الروس بالاستعداد لصواريخه الجديدة والذكية، كما وصفها، بدا، اليوم، متراجعا في تغريدته الثانية، التي قال فيها أن الهجوم على سوريا قد يكون قريبا وقد يكون بعيدا جدا.
من غير الممكن الاعتماد على تغريدات الرئيس الأمريكي على تويتر لمعرفة ما سيفعله الأمريكيون. فترامب رجل مزاجي وهو لا يتخذ قرارات الحرب بنفسه. فهي جزء من إستراتيجية كبرى لم تبدأ اليوم بل تمتد إلى عقود ماضية. تتحرك الإدارات الأمريكية المتتابعة وفق خطة مرسومة قد يتم تغيير آجالها وتكتيكاتها غير أنها لا تتغير في جوهرها. انتهت المرحلة السابقة التي حارب فيها الأمريكان الروس في أفغانستان بالقاعدة والطالبان وحركات "الجهاد" الأفغاني.. وبدأت المرحلة الجديدة التي أصبح العدو الجديد فيها هو المقاومات العربية والإسلامية سواء كانت دولا أو منظمات، بدعم من حلفائهم الروس.
طوال الأزمة السورية المفتعلة كنا نقول إن الهدف هو تدمير بلد عربي آخر. وهذا الهدف يحتاج حربا داخلية ووقتا حتى يتحقق. جزء كبير من هذا الهدف أصبح واقعا. ويبدو أن الانتقال إلى مرحلة أخرى قد بدأ الآن. منذ نهاية الصيف الماضي، وبعد هزيمة داعش أو سحبها من التداول، حسم الأمريكيون أمرهم بالدخول في مرحلة جديدة تستبدل الأصيل بالوكيل.
معالم المرحلة الجديدة هي محاولة تغيير القيادة في سوريا والإتيان بقيادة جديدة لإتمام "مشروع الأردن الكبير" الذي يبقى هدفا مرحليا في طريق الهدف الأمريكي الأكبر وهو "إسرائيل الجديدة".
اختزال المشهد في شخص الرئيس الأمريكي ليس دقيقا لأننا نعرف أن من يحكم ويقرر الحرب والسلم في أمريكا هي المؤسسة. ووزارات البنتاغون والأمن والمخابرات جزء أساسي منها. لا شك أنها تأخذ في الاعتبار الواقع الدولي المعقد ولا تستغني عن تقدير ردود الأفعال بالدقة اللازمة خاصة عندما يكون الطرف المقابل اسمه روسيا القوة الكبيرة التي تختلف عن الصنف الذي تعوَّد الأمريكان مهاجمته.
لا يبدو قرار العدوان محسوما، وقد يأخذ وقتا إذا تقرر. وما يجري الآن من إعداد واتصالات أمريكية مع الحلفاء الأوروبيين بشكل خاص يبدو أنه من أجل التنسيق وتحديد الأهداف وتصور مدى الحرب ووضع احتمالات الرّد الروسي وحلفائه.
لا يتعلق سبب العدوان المعلن بالهجوم الكيمياوي المزعوم على مدينة دوما. بل إن ذلك الهجوم المفترض، سواء كان حقيقة أو تمثيلا، مجرد صناعة لتبرير الهجوم. فعلوا ذلك من قبل مع العراق وليبيا ويكررونه الآن مع سوريا. وكلام الرئيس الفرنسي عن ثبوت استخدام سلاح كيمياوي في دوما لا يعني شيئا سوى انضمام فرنسا على أمريكا في أي عدوان على سوريا.
لكن الإسرائيليين، على الجانب الآخر، مهتمون بتجنب أي تورط في الحرب، فطالما طلبوا ضمانات من الروس لمنع أي رد على غاراتهم على مواقع سورية أو حليفة. وخلال الحرب الطويلة هاجم الطيران الإسرائيلي مرارا وتكرار مواقع سوريا وآخرها الهجوم على مطار التيفور، ولم يتلق الرد المناسب حيث اقتصر الأمر في الغالب على إطلاق صواريخ اعتراضية مضادة، ولم يفكر أحد بالذهاب إلى الرد غارة بغارة وصاروخ بصاروخ. وهذا الأمر قد يكون مفهوما لأن الرد يعني فتح جبهة جديدة قد لا يكون توقيتها مناسبا. غير أن تبدّل قانون اللعبة في أي حرب لاحقة قد يورّط إسرائيل لتتلقى أقسى الضربات التي لم يسبق لها أن تلقتها.
اهتم السوريون والروس والإيرانيون بالتخلص نهائيا من بؤرة الغوطة الشرقيّة المزعجة. وخلال وقت قصير أمكن إخراج المسلحين وإعادة السيطرة الكاملة على دوما والمدن الأخرى. أدرك الأمريكيون أن السيطرة على الغوطة، المتميزة بطبيعتها العسكرية والعمرانية، تعني استعادة السيطرة على مناطق أكبر في عمق الجنوب السوري، في درعا والقنيطرة. وأكد ذلك حقيقة أن مجموعات المسلحين في الجنوب ليست قادرة على الصمود، ولا يمكن الرهان على دعمهم بعملية عسكرية مضادة. ولأجل ذلك فكّر الأمريكيون في إيقاف ذلك النجاح وافتعال ضربة كيماوية وإلصاقها بالجيش السوري من أجل تبرير عدوان منتظر. بدا الأمر لعبة أخرى يتقنها المكر الأمريكي.
لا يوجد خيار آخر أمام الأمريكيين لتحقيق أهدافهم الاستراتيجية المتعلقة بإسرائيل وافتكاك سوريا والسيطرة عليها سوى الذهاب إلى حرب شاملة. وتحقيق ذلك غير ممكن دون الاشتباك المباشر مع روسيا وإيران وقوى المقاومة. وهذا يستدعي دخول دول أخرى على الخط. فالأوروبيون لن يتأخروا عن الانضمام إلى الأمريكيين، والصينيون لن يبقوا على الحياد. أما الضربات الموضعية والعابرة فإنها لا تفيد الأمريكيين في شيء سوى حفظ ماء الوجه.
يجد الأمريكيون وحلفاؤهم من الأوروبيين والعرب اليوم أنفسهم أمام خيارات محدودة أحلاها مر؛ إما ابتلاع الهزيمة وطي الصفحة، أو شن الحرب الكارثية والمجنونة والشاملة والتي لا بد أن تذهب إلى أبعد مدى!